المبحث الثاني
السنن الكونية والسنن الإلهية
لأهل النظر في القرآن الكريم والتفكر في الكون عبارات دالة يحسن بنا أن نقف أمامها وننعم بفيضها، من ذلك قولهم: لله كتابان، مسطور وهو القرآن ومنظور وهو الكون؛ فالكون قرآن منظور، والقرآن كون مسطور، والقرآن يمثل كلام الخبير، والكون يمثل فعل الخبير، ولا يخالف كلام الخبير فعله [1] .
والمتأمل للكون والقرآن معا يجد هذا التطابق الذي يلفت النظر ويسترعي الذهن ذلك الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [2] .
(فالآفاق) الواسعة الفسيحة بما تحمل من قوانين ثابتة مطردة وسنن ماضية حاكمة جانب من جوانب الإعجاز الإلهي، الجوانب التي من خلالها يصل الناس إلى الله تعالى. (والأنفس) بما لها من قوانين ضابطة تمضي عليها لا تشذ عن ضبطها ولا تنفلت عن سياجها جناح آخر لهذا اللون من ألوان الإعجاز.
وأقصد بالسنن الكونية الظواهر الكونية التي أسس عليها الكون من سماوات وأراضين وذرات ومجرات وبحار، وبتعبير القرآن المعجز (آفاق) .
وأقصد بالسنن الإلهية (موضوع البحث) النظام الإلهي في الأفراد والأمم والشعوب والمجتمعات، والناظر بين هذين المجالين يجد ارتباطا عجيبا وتناسقا بديعا من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة.
فقوانين الآفاق التي تحكم الكون بظواهره تخضع لثبات واطراد وشمول وحاكمية مهيمنة؛ فالماء يصل إلى الغليان عند درجة مائة، ويتجمد عند درجة الصفر، وهذا القانون ثابت لا يتغير ولا يتبدل؛ بل يعطي نتيجته لكل من يتعامل معه دون نظر إلى طبيعة من يتعامل معه؛ ذلك لأنه قانون ماض على الجميع لا يحابي ولا يجامل ولا يستثني، وكما يمضي هذا النظام الإلهي في جوانب الكون الإعجازية بثبات واطراد وعموم وعدم تبدل أو تحول يمضي أيضا في جوانب الحكم على أفعال البشر في الحياة، فإن مصدر هذه القوانين الكونية وتلك القوانين الإلهية في الأمم والأفراد واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وهناك ارتباط وتآخٍ بين المجالين، المجال الكوني بما فيه من جوانب الإعجاز والنظام والجانب البشري بما فيه من سلوك البشر وأفعالهم.
(1) انظر: نظم الآلي من حكم الغزالي، جمع وإعداد د. رمضان خميس الغريب.
(2) فصلت: 53.