(وسنن الله بصفة عامة سواء أكانت كونية أم بشرية مرتبطة أشد الارتباط في وحدة نظامية يأخذ بعضها بِحُجَز بعض، وتتماسك في اتساق حتى تكوِّن نظاما كونيا متناسقا أبدع ما يكون التناسق، يسير العالم في ظله بسماواته وأراضيه ومن فيهما وما فيهما، وما بين ذلك من خلق لا يعلم عدده ولا حقائقه إلا مقدره وخالقه، محكوما بتلك السنن الإلهية التي لا تحيد عن خطها المرسوم في لوح الأزل، وإنما عقول البشر هي التي قد تنحرف عن التناسق الكوني إفراطا أو تفريطا، قصورا عن إدراك التناسق أو جموحا في ارتياد تلك الوشائج، فتتوهم وتتخيل ثم لا تلبث الحقائق الكونية في سنن الله أن تردها إلى دائرة الحقيقة الكونية الكبرى {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [1] [2] .
ذلك أن الكل أثر فعل الله تعالى وقدرته سواء في الجانب الكوني أو الجانب البشري. ولقد حرص القرآن الكريم على ترسيخ هذه الفكرة في أذهان أتباعه كما سنعرف ذلك بجلاء عما قريب؛ فحرص على أن يدركوا الترابط الموجود بين قوانين الله تعالى وقوانينه في سلوك البشر، فسنته تعالى في المجتمع جانب من جوانب الفكرة القرآنية التي بثها الله تعالى في آيات هذا الكتاب المبين نظاما اجتماعيا مترابطا إلى جانب سنن الله العامة في الكون التي تصور فلسفة القرآن في فهم الحياة، كما تصور حكمته في نعوت الكمال لله تعالى خالق الحياة وفلسفة القرآن تجعل من الكون كله حقيقة واحدة طوى فيها خالقها دلائل وجوده وبراهين وحدانيته وآيات قدرته وعلمه وحكمته، ووكل إلى العقل البشري -تكليفا وتشريفا. الكشف عن هذه الدلائل والبراهين بما أودع فيه من قوة إدراكية غائصة وبما أمده به من عون فتهديه إليها وهذا المعنى هو خلاصة وعد الله تعالى لهذا العقل بالكشف عن آيات الله في الكون، وصدق الله تعالى إذ يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [3] [4] .
وهذا التوازن الموجود في الكون كله بما فيه الإنسان من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة هو قانون يمضي على مفردات الكون بمظاهره وآحاد الإنسان وسلوكه. ولقد حفل القرآن بالحديث عن هذا التوازن الذي يطرد على الكون والإنسان جميعا {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [5] ، أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا
(1) فاطر: 41.
(2) سنن الله في المجتمع من خلال القرآن، ص 11.
(3) فصلت: 52.
(4) سنن الله في المجتمع من خلال القرآن، صـ 15.
(5) الحجر: 85.