فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 89

فِي أَنْفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى [1] ، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [2] . وهكذا تمضي آيات القرآن الكريم في الربط بين الكون ومعطياته والنوع الإنساني ومفرداته دون فصل؛ فالجميع يصدر عن مشكاة واحدة، ويتفرع عن مصدر واحد.

«والقرآن الكريم في حديثه عن آيات الله الكونية يقرن الأرض بالسماء، ثم يتحدث عن شيء من عوالم السماء إبرازا لما فيه من سنن الله وآياته ودلائل قدرته، كما رأينا في حديثه عن الشمس والقمر في قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [3] فمستقر الشمس في جريها هو مدى سيرها الذي تنتهي إليه ولا تتجاوز في حركتها المقدرة لسبحها في فلكها الخاص بما يحقق التوازن بينها وبين عالمها وسائر عوالم السماوات والأرض وما بينهما في تقدير العزيز العليم، وكذلك منازل القمر في سيره قربا وبعدا وصغرا في رأي العين وكبرا، حتى إذا بلغ آخر منزل منها يرى دقيقا باهتا مقوسا كما هو قضية هذا التشبيه اللطيف الذي جاءت به الآية الكريمة توازن ثابت محكوم بسلطان السنن الإلهية، فلا تدرك الشمس في جريها لمستقرها القمر في سيره إلى منازله؛ لأن كلا منهما محكوم بسلطان وضعه الخاص في نظام الكون، فإذا استوى الدليل بهذا العلم العلوي على باهر قدرة الله تعالى تنقل إلى الحديث عن الأرض وألوان الحياة بها، وسيد الأرض الذي سخر الله له ما فيها من منافع هو الإنسان؛ لأنه صاحب السلطان على كل ما سخر الله له من شيء، ومن هنا كان لا بد من اختصاص هذا الإنسان بنوع من السنن الإلهية يقيم عليها بناء حساباته بدءا وانتهاء [4] .

وهذا الترابط الواضح لدى الناظر بين قانون الكون وقانون السلوك الإنساني من الظهور بمكان وعند التطبيق بين صفات وخصائص القانون الكوني أو النظام الإلهي في الكون والنظام الإلهي في سلوك البشر، سيتضح مدى الانطباق الكامل والتطابق الكلي بين هذا وذاك، والفرق بين نتائج القوانين الكونية والقوانين الإلهية في البشر أن الناظر لأول وهلة في القوانين الكونية يجد نتائجها واضحة صارمة لا تقبل التغيير ولا التبديل. ويظن صاحب النظر المتعجل أن القوانين الإلهية في البشر ليست كذلك، لكن عند التأمل نجد مدى

(1) الروم: 8.

(2) الدخان: 38 - 39.

(3) يس: 38 - 40.

(4) انظر: سنن الله في المجتمع من خلال القرآن، صـ 19، 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت