وكقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» [1] .
ومن أروع ما يدل على حرص الرسول على تعلم أصحابه وأمته إدراك السنن الإلهية قوله لزياد بن لبيد: بعد أن ذكر شيئا وقال وذلك عند ذهاب العلم، قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه أبناءنا، وأبناؤنا يقرءونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء [2] .
وهذا الحديث الشريف يوضح إرشاد الرسول لأصحابه إلى أمر السنن التي تعم الجميع وتمضي بلا استثناء، وفي هذا إجابة عن السؤال الحائر على شفاه المسلمين كيف يكونون مسلمين وتظل أحوالهم بهذا التخلف والتأخر والجمود؟ وقد صاغ شوقي ذلك في قوله:
وقل يا رسول الله يا خير مرسل ... أبثك ما تدري من الحسرات
شعوبك في شرق البلاد وغربها ... كأصحاب كهف في عميق سبات
بأيمانهم نوران ذكر وسنة ... فما بالهم في حالك الظلمات؟!!
فليس المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم: «وذلك عند ذهاب العلم» ارتفاع المعارف والثقافة من الكتب والرؤوس؛ بل ارتفاع الارتباط بينها وبين السنن الكونية وإحسان التعامل بهذا العلم مع تلك السنن.
والصحابة الكرام بدورهم كانوا على علم ووعي بهذه السنن، ومن أبرز الذين ظهرت في حياتهم وأقوالهم هذه السنن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي قال عنه ابن مسعود عندما مات: «مات تسعة أعشار العلم، فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟! فقال: لم أرد علم الفتيا والأحكام، إنما أريد العلم
بالله تعالى [3] .
وفي علم الصحابة بعلم السنن الإلهية يقول صاحب المنار: (وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها. يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب الغربية منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب و غيرها بما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى، ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسبب سبقهم للأمم التي استولوا عليها، لذلك
(1) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب (تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) . ومسلم، كتاب البر والصلاة والآداب.
(2) ذكره ابن كثير، جـ 2 ص 76.
(3) تفسير المنار، جـ 4/ 115, وانظر الإحياء 1/ 23.