فالذي يتأمل هذه الآيات الكريمة يجد كيف استدل مؤمن آل فرعون بالسنن التي مضت في الأمم السابقة، (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) .
«وحقيقة السنن التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، وعلى أساس هذا يكون الاستدلال بالسنة. يقول ابن تيمية -رحمه الله-: وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته هو اعتبار الشيء بنظيره، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، وهو الاعتبار المأمور به في القرآن كقوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ} [1] ، وقوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ} [2] .
وإنما تكون العبرة بالقياس والتمثيل، فإذا عرفت قصص الأنبياء ومن اتبعهم ومن كذبهم وأن متبعيهم كان لهم النجاة والعاقبة والنصر والسعادة، ولمكذبيهم الهلاك والبوار جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي، فعلم أن من صدقهم كان سعيدا، ومن كذبهم كان شقيا، وهذه سنة الله وعادته، ولهذا يقول الله في تحقيق عادته وسننه وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [3] .
هذا تطبيق الاعتبار والقياس، ثم قال: (أم لكم براءة في الزبر، فنفى الدليل العقلي والسمعي فيقول: فإذا لم يكونوا خيرا منهم فكيف ينجو من العذاب مع مماثلتهم لهم؟) [4] .
وهكذا يتضح أن السنن قطعية الدلالة على مرادها؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما كانت مطردة سارية على الجميع.
(1) آل عمران: 13.
(2) الحشر: 2.
(3) القمر: 43.
(4) انظر النبوات, لابن تيمية:1/ 265,ط المطبعة السلفية- القاهرة 1381 هـ , وقدر الدعوة، للأستاذ رفاعي سرور، صـ 71، 72، ط مكتبة الحرمين للعلوم النافعة، 1412 هـ 1992 م.