السنن الربانية والنسخ:
وإذا كان الأمر كذلك فإن النسخ -الذي هو بمعنى الإزالة والمحو. لا يطرأ على السنن الربانية؛ وذلك حتى تستمر خصائص هذه السنن وفعاليتها في الأمم الحاضرة والآتية كما انطبقت على الأمم الماضية، فعموم السنن ينافي نسخها، واطرادهما أيضا ينافي نسخها، فكل خصيصة من خصائص السنن الإلهية تثبت أن النسخ لا يتفق مع السنن ولا يجري عليها، وإلا فإن معظم موارد السنن الربانية يكمن في القصص القرآني والأمثال، وهذه الأبواب لا يدخلها النسخ باتفاق العلماء؛ لأنها أخبار والجانب الإخباري في القرآن لا يتطرق إليه النسخ.
السنن الربانية والإعجاز:
قلنا إن السنن تجري حسب نظام دقيق منضبط لا يتغير ولا يتحول ولا ينخرم لسبب من الأسباب، فهل هذا الانضباط والسير المطرد ينافي الإعجاز أو المعجزة؟ الواقع أن السنن الربانية إذا كانت تجري (بحسبان) وعلى نظام منضبط، فإن المعجزة أيضا تجري حسب نظام منضبط، لكن الخط الذي تجري فيه السنن غير الخط الذي تجري فيه المعجزة، والمجال الذي تعمل فيه السنن غير المجال الذي تعمل فيه المعجزة؛ فالمعجزة (أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي النبوة إثباتا له في مدعاه، أو أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي وعدم المعارضة، أو هي أمر قصد به إظهار صدق من ادعى النبوة والرسالة) [1] .
وتلك المعجزات التي يؤيد الله تعالى بها أنبياءه ومرسليه هي ما تسمى الخوارق، أو تسمى السنن الخارقة، وهي التي تقابل السنن الجارية، فإذا كانت السنن الجارية تمضي حسب ناموس منضبط ظاهر للناس عرفوه وألفوه، فإن المعجزة أو السنن الخارقة أيضا تجري حسب ناموس منضبط لكنه مغاير للناموس الذي تجري عليه السنن الجارية (فالله تعالى له من طلاقة القدرة بحيث يخفي الظاهرة عن القانون الذي يحكمها، سواء أكان ذلك في الطبيعة أم كان في الأحياء أم كان في الاجتماع والسلوكيات؛ ففي مجال الطبيعة مثلا ما ورد في الشرع من حادثة انشقاق القمر وانفلاق البحر، وحجب السكين عن طبيعتها وهي القطع، وحجب النار عن طبيعتها وهي الإحراق. وفي مجال الحياة وقوانينها نرى إبراهيم - عليه السلام - يلقى في النار ولا يحترق ولا يموت من نقص الأكسجين، ويونس - عليه السلام - يعيش في بطن الحوت تحت طبقات الماء فترة من الزمن ولا تتأثر حياته بذلك.
وفي مجال الاجتماعيات نرى أن موسى - عليه السلام - ينتصر بقلب العصا ثعبانا، وأن سيدنا محمدا
(1) شرح المقاصد، للعلامة سعد الدين التفتا زاني، ج 3 ص 273، ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط أولى 1422 هـ، 2001 م.