ينتصر بمعونة خمسة آلاف من الملائكة [1] . ولا تعارض هنا بين السنن الثابتة الجارية والسنن الخارقة؛ فكل يجري حسب قانونه المنضبط لا يحيد عنه ولا يميد.
والسنن الجارية كما رأينا في خصائصها لا تستثنى ولا تحابي (حتى معجزة الأنبياء التي قد تفهم على أن معناها قائم على خرق السنة، فإننا نجد أن معناها لا يقوم أصلا إلا على أساس حقيقة السنة. يقول ابن تيمية: وحقيقة الأمر أن ما يدل على النبوة هو آية على النبوة وبرهان عليها، فلا بد أن يكون مختصا بها ولا يكون مشتركا بين الأنبياء وغيرهم، والرب تعالى لا ينقض عادته التي هي سنته في التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، فهو سبحانه إذا ميز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره ويختص به. ولا ريب أن النبوة يمتاز بها الأنبياء ويختصون بها، والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فمن خصه بذلك كان له من الخصائص التي لا تكون لغيره ما يناسب ذلك، فيستدل بتلك الخصائص على أنه من أهل الاختصاص بالنبوة، وتلك سنته وعادته في أمثاله؛ يميزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم، ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الأنبياء مثلا، فلم تكن له سبحانه عادة بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم حتى يقال: إنه خرق عادته ونقضها؛ بل عادته وسنته المطردة أن تلك الآيات لا تكون إلا مع النبوة والإخبار بها مع التكذيب بها أو الشك فيها [2] . فالمعجزة شيء لا يخالف العقل ولكنه يخالف المألوف والمتواتر في المحسوس، فإذا كان كل عمل من الأعمال خلقا مباشرا في إرادة الله تعالى فلا فرق في حكم العقل بين مرفوع المعجزة ووقوع المشاهدات المتكررة في كل لحظة [3] . فالإعجاز لظواهر الكون لا يخرق السنن الجارية وإنما يمضي هو حسب قانون خاص به، لكن هناك علاقة أكيدة بين السنن الجارية والسنن الخارقة.
العلاقة بين السنن الجارية والسنن الخارقة:
لاشك أن هناك علاقة وطيدة وعروة وثقى بين السنن الجارية والسنن الخارقة، فإن السنن الجارية والسنن الخارقة يخرجان من مشكاة واحدة، ومصدر الجميع الله - سبحانه وتعالى- وما هذه السنة وتلك إلا أثر الإظهار لأفعال الله تعالى، وإذا كانت السنن الخارقة تمضي على غير المألوف للناس، فإن السنن الجارية تمضي على ما يألفون ويعرفون لذلك تعبدهم الله تعالى بالتعامل مع هذه السنن، وهم يأثمون إذا قصروا في التعامل أو
(1) مدخل إلى دراسة السنن الإلهية، صـ 23، وانظر: الهجرة بين سنة الله الجارية والخارقة، صـ 19.
(2) انظر: النبوات: 1/ 233, وقدر الدعوة، صـ 73، 74 بتصرف واختيار.
(3) الفلسفة القرآنية، للأستاذ العقاد، صـ 18، ط دار الهلال، بدون تاريخ.