تركوها دون استفادة منها، فالمسلم المعاصر لا يعيش الآية في زمن المعجزات وإنما يعيش في زمن السنن الجارية التي لا تتوقف ولا تتأجل، وهو مطالب شرعا بالتعامل مع هذه السنن الربانية ليثير الأرض ويعمرها ويحي الزرع والضرع، ويكون بحق خليفة الله تعالى في أرضه، فإن خيرات الله في الأصل للمؤمن {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [1] ولعل حديثا يأتي عن هذا الملمح في جانب منهج التعامل مع السنة الربانية بإذن الله تعالى.
العلاقة بين السنن الربانية الجارية والإرادة الإلهية:
ولا يظن ظانٌّ أن السنن الجارية لأنها تجري بثبات واطراد أنها تجري من ذاتها أو أن فعلها فعل ذاتي، فهذا فهم غير صحيح؛ لأن السنن الجارية على الرغم صفاتها هذه إلا أنها في النهاية مربوبة لله تعالى، والمسلم مدرك أن شيئا لا يقع في الكون إلا بقدر الله تعالى (والحوادث كبيرها وصغيرها لا يمكن أن يحدث إلا بأمر الخلق المباشر من إرادة الله تعالى، فلا ينساق في العقل أن الحادثة تحدث بفعل الأسباب أو النواميس ثم بفعل الإرادة الإلهية؛ لأن الناموس لا يملك وحده قدرة الانطباق والتوافق التي يسبب بها ألف حادث على نسق واحد، ولا بد له من القدرة التي يتابع بها هذا التسبب مرة مرة وحادثا حادثا بلا فرق هنا بين الجملة والتفصيل، فلا فرق هنا بين الحادث الذي يقع مرة واحدة والحادث الذي يقع ملايين المرات، فكلها تتوقف في بادئ الأمر على إرادة الخلق والإنشاء [2] .
(1) الأعراف: 32.
(2) انظر الفلسفة القرآنية، صـ 17، بتصرف يسير.