فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 89

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا} إلى قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} لنرى من خلال هذه الآيات الكريمة سمات ثابتة لأمر الله تعالى في الشاكرين والكافرين.

واقرأ قوله تعالى في سنة البقاء والفناء: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} إلى قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} لترى في هذه الآيات الكريمة لونا من ألوان التشريح لأسباب البقاء وعوامل الفناء من خلال رصد أمة من الأمم تسرب إليها الوهن وسرى فيها الخور.

واقرأ كذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [1] لترى قانونا من قوانين الله تعالى في عدم إهلاك المصلحين، وهذا وعد من الله تعالى بذلك وفرق بين الصلاح والإصلاح؛ فالإصلاح كما هو متعد في المبنى فهو متعد في المعنى، كذلك الفعل الرباعي أصلح الشيء يصلحه إصلاحا، ومعناه انتقال الصلاح من صاحب الدعوة إلى غيره، ونجد هذا الترابط أكثر ظهورا في قوله تعالى من سورة الأعراف: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [2] فهناك كما هو واضح ارتباط بين صدر الآية (يمسِّكون) الذي يدل على تعدي الإمساك إلى التمسيك، وعَجُزها (المصلحين) الذي يدل على انتقال الصلاح إلى فرد آخر بعد الداعية المصلح.

وإذا كان الله قد تعهد بعدم إهلاك المصلحين فإن هذا الوعد لا ينسحب على الصالحين، لجوابه - صلى الله عليه وسلم - للسيدة عائشة عندما سألته: يا رسول الله، «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث [3] . ونستطيع أن نقول عن هذا القانون أو تلك السنة: (قانون الصالحين والمصلحين) .

ولو قرأنا مثلا قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفينَ. إِلاَّ من رَّحمَ رَبُّكَ وَلذَلِكَ خَلَقَهمْ} [4] لوجدناها ترصد قانونا من قوانين الله تعالى في طبائع البشر، وهو اختلافهم المستمر الذي لا يقف عند حد.

(1) هود: 117.

(2) الأعراف: 170.

(3) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج. ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة.

(4) هود: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت