فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 89

إن الجيل الرائد من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ساد الدنيا، وفتح البلاد وقاد العباد بأمر الله تعالى؛ لأنه استوعب القرآن الكريم استيعابا عمليا فكان يتعلم العلم والعمل معا، من هنا استطاع أن يؤسس حضارة ويبني فكرا وينشئ جيلا بل أجيالا، لكن عندما تراخت قبضة المسلمين عن مفاهيم دينهم أصبحوا لا يبرزون في دنيا ولا يتعمقون في دين.

وصدق فيهم قول القائل:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

وقد دفعني للكتابة في هذا الميدان غير واحد من الأمر، منها ما لمسته في فكر علماء راسخين وأفذاذ ... عاملين - حسبتهم كذلك والله حسيبهم - فقد كانت أطروحتي في التخصص حول الشيخ (محمد الغزالي وجهوده في التفسير وعلوم القرآن) ، وكنت أرى بين حين وآخر حديثا منثورا عن قضية السنن وإهمال المسلمين لدراستها، فلفت نظري هذا الكلام الذي لم أكن قد سمعته من قبل، وغذى الفكرة في رأسي أحد شيوخي الأجلاء الذين كنت أتلقى العلم على أيديهم، فكان يدفعنا دفعا إلى القراءة والكتابة في هذا الميدان الخصب، الذي يؤتي أكله ويثمر ثمره للإسلام والمسلمين، وكنا وقتها نسمع هذا الكلام ولا نعي أرجاءه ولا ندرك مراميه كما يسمع عامي قراءة شيخ ماهر فلا يدرك من القراءة إلا جمال النغم وحلاوة الأداء، حتى منَّ الله تعالى علينا ويسر لنا سبيله فله الفضل والمنة.

هذا وقد سميت هذه الدراسة (السنن الربانية .. دراسة في ضوء القرآن الكريم) ، وأعني بالسنن هنا (النظام الإلهي الذي يحكم سلوك البشر في انضباط واطراد) . وكلمة الربانية أقصد بها المنسوبة إلى الرب سبحانه وتعالى؛ وذلك لغرض في نفسي أن نسبتها إلى الرب يلحظ فيها ملمح التربية، فإن الله تعالى يربي عباده بهذه السنن الثابتة والنواميس الصارمة. ورغم أنه قد شاع على بعض الألسنة لفظ السنن الإلهية فإنني رأيت أن كلمة الربانية هنا أوفق؛ لما يلمح فيها -كما قلت - من معنى التربية من جهة الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت