لقد وقعت الفتنة بين الصحابة وجرت بينهم حروب في الجمل وصفين وكربلاء وغيرها فكانت أشد أثرًا على الإسلام من كلّ حروبه الماضية وكانت أيامها أشدّ على أبنائه وآلم من حروب أحد والخندق والردة، ولو خيّروا بين ألف حرب يخوضونها معًا ضدّ عدوّ متربّص أو جهة كافرة وبين هذه الحروب لاختاروا الأولى دون تردد، لكن لم يكن ذلك لأحد حتى يقع، فحدثت الفتنة وجرت الحروب وكان ما كان مما يعاني المسلمون آثاره إلى يومنا هذا؟
فهل نعلم أنّ الإسلام انتهى وانزوى أو رحل عن الحياة؟
هل نذكر وحشية التتار، أم نذكر أمواج الصليبيين المتتابعة، إن هؤلاء وهؤلاء لا يقلّون خطرًا على الإسلام من الفرس والروم، وقد انتصر المسلمون على الفرس وهزموا الروم، وبقيت راية الإسلام عالية خفّاقة، لكن خطرًا أعتى وأكبر من كل أولئك قد حاق بالإسلام يومًا لأنه كان من داخله، ولأنه كان في الدين، ولأنه كان في أصول الدين ومصادره الأصليّة، ولأنه كان في أعظم هذه المصادر، ولأنه كان معولًا كافيًا لو تمّت لمن أرادوا الضربة به ضربتهم لقضوا على الإسلام إلى غير رجعة ولو قدر له البقاء لبقي كما بقيت اليهوديّة والنصرانية إلى اليوم رغم موتهما منذ قرون وقرون، دينًا لا روح له، وادعاء لا ديل عليه، وانتسابًا لا أصل له ولا صلة، تلك هي فتنة القول بخلق القرآن وتعميم مذهب الاعتزال في أمة الإسلام.
فقد تولّت الدولة كبره، وتتابع عليه الخلفاء، ثلاثة خلفاء متواترين متتالين!
وعلماء الأمة - إلا من رحم الله - قد أجابوا لما يطلب منه طمعًا ورغبًا.
وآخرون قد أجابوا لما رهبوا وخافوا وفزعوا.
وغيرهم ثقات يقعون تحت الضغطة فلا يستطيعون تحملا فيصدرون وقد أجابوا.
وغيرهم يثبتون فيموتون ويصلبون.
وغيرهم يثبتون فيحملون وينكل بهم فلا يقدرون فيسقطون صرعى تحت آلام النفس والبدن.
وآخرون وآخرون وآخرون
فهل تمّ للمغرضين ما أرادوا؟
وهل كان لهم ما طلبوا؟