الصفحة 23 من 118

وعمر فتجهز وتعمم وتدرع بدرعين وتسلح بسيفه وخرج على الناس قائدًا لا يبغي غير إعلاء دين ربه ودحر الكافرين، وحتى لما حاول الصحابة أن يردوه عن قرار الخروج بعد أن رأوا أنهم استكرهوه على ذلك أصر على موقفه مجيبًا إياهم:"ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته - وهي الدرع - أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" [1] .

ليت حكامنا يتعظون، ويقتدون بفعل نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي ما خاف في الله لومة لائم وما داهن في دينه ولا ساوم!

ليتهم يعلمون أن كل تلك الدعاوى للصلح والاتفاق والتفاوض مع العدو إن لم تكن في مقامها فما هي إلا فرص جديدة لاستعبادهم وتذليلهم، ليتهم يرجعون إلى ما اعتزّ به سول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من الجهاد وطلب إحدى الحسنيين إما الشهادة أو النصر!

ها هو جيش المشركين الآن يعسكر في عينين قريبًا من جبل أحد، وها هو جيش المسلمين معروض أمام النبي صلى الله عليه وسلم ألف مقاتل، منهم المدرعون ومنهم الفرسان قسمهم إلى ثلاث كتائب بخبرة عسكرية رائعة آتاه الله إياها على أمّيته، وقد رفض يومها أن يستعين بكتيبة من يهود الخزرج بعد تأكّده من عدم دخولهم الإسلام، رغم حسن تسلحهم وقلة عدد جيشه مقارنة بالمشركين، تأكيدًا منه صلى الله عليه وسلم على أن التوحيد هو القضية الكبرى التي يدافع عنها ولا تنازل فيها حتى في أحلك المواقف، وخرج بعد ذلك في جيشه متجهًا نحو أحد ولم يبلغوه حتى جنّ عليهم الليل فعسكروا هناك بمقربة من العدو في انتظار يوم الحسم.

انكشاف المنافقين:

جاء الفجر مبشرًا بالتقاء الفئتين وبدء المعركة، وهاهنا تحصل أولى الرجّات لجيش المسلمين ويأبى النفاق إلا أن يظهر على أهله في ذاك الموقف الدقيق حيث معلوم أن في تلك اللحظات تكون الإثارة في أوجها والأعصاب على أشدّها، فقد تمرد عبد الله بن أبي بن سلول وانسحب من الجيش وسحب معه ثلاثمائة من أتباعه مدعيًا أن

(1) أخرجه أحمد (14829) ، والدارمي (2159) وغيرهما، وقال حسين سليم أسد في تحقيق سنن الدارمي (2/ 173) : إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو هو الحديث السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت