انسحابه ذاك نتيجة لعدم عمل النبي صلى الله برأيه في البقاء داخل المدينة،"ولا شك أن سبب هذا الانعزال لم يكن هو ما أبداه، وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى، بل لو كان هذا هو السبب لانعزل عن الجيش منذ بداية سيره، إنما كان هدفه الرئيس من هذا التمرد - في ذلك الظرف الدقيق - أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم، حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي صلى الله عليه وسلم وتنهار معنويات من بقي معه، بينما يتشجع العدو، وتعلو همته لرؤية هذا المنظر فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي صلى الله عله وسلم وأصحابه المخلصين، ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرئاسة إلى هذا المنافق وأصحابه" [1] .
هكذا هو فعل المنافقين في كل زمان ومكان يسعون إلى نخر القوى من الداخل مظهرين الولاء والطاعة ويخفون في أنفسهم البغض والحقد والعداوة للإسلام وأهله، وصدق من قال: إن خطر المنافقين على المسلمين أشد من خطر الكفار؛ لأن هؤلاء يحاربون جهرة ويعلنون ما في صدورهم فيمكنك التحصن منهم ومجابهتهم والاستعداد لرد كيدهم، أما الأولون فهم يظهرون القرب والمودة وقلوبهم تفيض غيظًا ونقمة ولا تعرف حقيقة مخططاتهم وكيدهم إلا إذا أظهرها الله لك، كما فعل عز وجل في هذا الموقف والله محيط بما يعملون.
كانت هذه البلبلة كفيلة بتداعي قوة المسلمين، وقد هم بعضهم باتباع الفئة المنسحبة، قال الله تعالى في ذلك:"إذ همَّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون" {آل عمران 122}
وبذلك يتمكن منهم عدوهم ويُقتل رسول الله وأصحابه وتكون نهاية هذه الدعوة المباركة وتذهب آثار هذا الدين القيم هباء منثورًا، ولكن الله سلم دينه وحفظه ونصره وأظهره، وثبت نبيه وصحبه الكرام وربط على قلوبهم للصمود في هذا الموقف العصيب مع علمهم بقلتهم أمام جيش العدو من قبل انسحاب المنافقين، فما بالك وقد انسحب قرابة الثلث؟
(1) الرحيق المختوم: (ص 295) .