الصفحة 25 من 118

ومن الأمثلة على اتزان الصحابة حيال هذا الموقف وبيان شدة ثباتهم وصبرهم، ما فعله عبد الله بن حرام رضي الله عنه، فقد تبع المنافقين وهو يوبخهم ويستنكر عليهم التولي ويحضهم على الرجوع غير أنهم أعرضوا وتمادوا في انسحابهم فدعا عليهم قائلا:"أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم".

هي والله كلمة في قمة الحكمة منه،"فسيغني الله عنكم"، بكم أو بدونكم، وبأسباب أو من غيرها، ربنا عز وجل قادر على حفظ هذا الدين الحق وإعلائه رغمًا عن أنوفكم.

أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيب الجيش وواصل معهم المسير مبتغين الوصول إلى معسكر الكفار من طريق مختصرة غير مباشرة، وقد تعرض لهم فيها منافق جديد وهو مربع بن قيظي الضرير، وحاول منعهم وهو يحثو التراب في وجوههم فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أمر بتجاوزه دون قتله قائلًا:"لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر" [1] .

وهنا لفتة طيبة نشير إليها: في الطريق نحو النصر لا تلتفت لكل ناعق ينعق ولا تهتم بكل مشير يريد لفت نظرك وإشغالك وإزاغتك عن الطريق، ركز كل تفكيرك على الهدف وسخر كل جهودك لتحقيقه دون إسراف جزء منها على المجادلة والمناقشة والخوض في معارك جانبية عقيمة ليس من شأنها إلا إضعافك وتشتيتك .. فانتبه رعاك الله!

وصل النبي صلى الله عليه وسلم مع جيشه حيث المكان المناسب، فعسكر مستقبلًا المدينة ومن ورائه أحد ومن أمامه العدو، وبدأ بشرح الخطة العسكرية لجيشه فجعل قسمًا من الجيش على اليمين بقيادة المنذر بن عمرو، وجعل قسمًا آخر على اليسار بقيادة الزبير بن العوام، وجعل في المقدمة ثلة من الشجعان للتصدي للهجوم، ثم قام بحكمته و حنكته ببعث فئة من أمهر الرماة بقيادة عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري إلى جبل من وراء الجيش، هو الثغرة الوحيدة التي يستطيع العدو النفاذ منها إلى الجيش إذا ما أهملت، لذلك شدد رسول الله عليهم أيما تشديد و أكد أيما تأكيد بعدم ترك مكانهم مهما رأوا من نتائج الحرب سواء نصرًا أو هزيمة وها هو

(1) انظر: سيرة ابن هشام: (2/ 65، 66) ، وزاد المعاد، ابن القيم: (3/ 174) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت