يخاطب القائد عبد الله بن جبير قائلًا:"انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتون من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" [1] ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" [2] .
"لقد كانت خطة حكيمة دقيقة جدًا، تتجلى فيها عبقرية قيادة النبي صلى الله عليه وسلم العسكرية وأنه لا يمكن لأي قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة أدق وأحكم من هذه، فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة، مع أنه نزل فيه بعد العدو .." [3] .
وهذا من تدبير الله لدينه ومن الأسباب التي ساهمت في رفع رايته وبلوغ أمره مشارق الأرض ومغاربها.
بدء المعركة: لما تراءت الفئتان، خرج طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين يدعو للمبارزة، وقد كان معروفًا بقوته وشجاعته، ولكن ليثًا من الصحابة فاقه في ذلك إنه الزبير بن العوام رضوان الله عليه، فوثب عليه وثبة ألقاه بها عن بعيره وذبحه بسيفه فكبر المسلمون واندلعت المعركة كأشد ما تكون وحمي وطيسها، وقد أبدى فيها الصحابة من البسالة والشجاعة والقوة ما إن سطر لم تكفه المجلدات العظام، فترى سعد بن أبي وقاص وثابت بن أبي الأقلح يرميان السهام لا تخطئ مقاتل العدو، وترى الزبير ينقض على حاملي اللواء فلا يدعهم حتى تفارقهم الحياة، وهذا حنظلة - غسّيل الملائكة - الذي انخلع من حضن عروسه ملبيًا نداء الجهاد غير متردد، وترى أبا دجانة بعصابته الحمراء - عصابة الموت - آخذًا بسف رسول الله يدك به جيش الكافرين دكًّا، ومما يذكر عنه - ولا قدرة لنا على تجاوزه - أن أبا دجانة وهو مواصل في تغلغله داخل صفوف العدو خلص إلى قائد رآه يخمش الناس خمشًا شديدًا فلما حمل عليه السيف ولول، فإذا هي امرأة فرفع عنها السيف إكرامًا لسيف رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يضرب به امرأة.
(1) انظر: سيرة ابن هشام: (2/ 65، 66) .
(2) أخرجه البخاري (2874) .
(3) انظر: الرحيق المختوم: (ص 298) .