في هذه المواقف تظهر آثار هذا الدين العظيم على النفوس، وتظهر التربية الجليلة والتزكية العظيمة التي لا يحقق الداخل فيه مراتب الكمال حتى يتحلى بها ويجعلها معيارًا لحياته وسلوكياته، فكيف بعد هذا يفترى على الإسلام أنه دين دموية ودين همجية، أو يقال إنه اضطهد المرأة وقيد حريتها.
لكل مدع لذلك أقول: فلتراجع السير والمحن ولتغص في تفاصيل السيرة ومواقفها الصغيرة والكبيرة واحكم بعين الإنصاف قبل عين العقل.
كان النصر واضحًا قريبًا للمسلمين قربهم من عدوهم الذي بدأ في الفشل والتراجع وبدأت الرّدّات من جهته تتقلص، كما أنّ صفوف جيشهم تفرقت وبدأت بالتلاشي، وزاد الأمر شدة عليهم حين سقط لواؤهم بعد مقتل جميع من وكّل لهم ذلك من بني عبد الدار.
ولكن سنن الله ليس لها تبديل ولا تحويل، فلا نصر يخلو من المنغصات والعثرات إذا اختلت بعض أسبابه وتأخرت عن العمل، وقد كانت أول هذه العثرات مقتل أسد الله حمزة بن عبد المطلب بحربة أرسلها الوحشي إنتقامًا لسيده جبير بن مطعم من قتل عمه طعيمة بن عدي يوم بدر وأغراه بالعتق مقابل ذلك، وقد كان لمقتله رضوان الله عليه وقعًا كبيرًا في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم لمكانته عند رسول الله وفي الجيش، ولكنهم سرعان ما تداركوا الأمر واستثاروا هممهم لمواصلة القتال، فإن حمزة شهيد عند الله وكلهم يسعى لنيل هذه الدرجة، فلا يليق الحزن بمثل هذا المقام.
ثم كانت العثرة الثانية، وهي أشد وأقسى، ووقعها قلب موازن المعركة رأسًا على عقب:
لما رأى الرماة - الذين عينهم رسول الله عليه الصلاة والسلام على الجبل من وراء الجيش - أن الكفة رجحت لصالح المسلمين، وأن الكافرين قد فروا وتشتت شملهم، والمسلمون من ورائهم لا يدعون لهم أملًا في الحياة، وبدأ البعض ينشغل بجمع ما ترك من الغنائم، نسوا تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وغلب عليهم حب الدنيا وزينتها، فانسلخوا من أسلحتهم وأماكنهم ونزلوا يطلبون حظهم من الغنيمة، ورغم تذكير قائدهم عبد الله بن جبير بوصية رسول الله لهم، إلا أنهم لم