الصفحة 28 من 118

يطيعوه في ذلك وواصلوا السير نحو ما عزموا عليه، ولم يبق في المكان إلا القائد وتسعة أفراد معه، ومن هنا كان البلاء.

لم يفت خالد بن الوليد، وهو مشرك يومئذ، ما حصل على الجبل من أمر الرماة، فاستغل ذلك مسرعًا والتف مع كتيبته خلف الجيش ليلقى بقية الرماة مرابطين، غير أن بسالتهم لم تكن لتبلغ مبلغًا كبيرًا أمام كتيبة تفوقهم عددًا وعتادًا، فقد أبادوهم وخلا لهم الثغر وهجموا منه على جيش المسلمين من الخلف.

لما بدأت صيحات العدو ترتفع وشاهد الفارون منهم ما حصل، عاد لهم الأمل وبدؤوا في التشكل من جديد والاجتماع وأسرعت عمرة بنت علقمة الفارسية برفع لواء المشركين الساقط على الأرض فزادهم ذلك حماسًا والتفوا حوله وعادوا للقتال.

وهنا في دقة هذا الموقف وشدته، تظهر بسالة وشجاعة المعلم القائد الأكبر، نبي الله عليه الصلاة والسلام، فقد رفع صوته بالنداء ليعلم الصحابة مكانه ويلتفوا حوله، وفي ذلك مخاطرة كبرى؛ إذ أنه إذ ذاك أقرب للمشركين وبمجرد سماعهم له اتجهوا نحوه طالبين قتله بلا هوادة، والمسلمون حينها في فرقة من أمرهم بسبب الفاجعة التي نزلت عليهم ولم يحسبوا لها حسبانًا، فمنهم من فر حتى بلغ المدينة ومنهم من ذهب للجبل يحتمي به ومنهم من عاد للقتال متجهًا صوب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمايته والذود عنه، إلا أنّ هذه الفئة وقعت عليهم الصاعقة بسماع مناد صاح بأن محمدًا قد قتل فكانت الضربة هذه المرة ثقيلة قاصمة.

عثرة جديدة تنبئ هذه المرة بتأزم الأحداث غاية التأزم وانسداد مفارج النور حتى يعم الظلام، مقتل رسول الله، القائد، القدوة، المحفز، معلي كلمة الحق والداعي لهذا الدين.

كان هذا الخبر كافيًا ليهدم حماس المسلمين ويستحوذ عليهم اليأس والإحباط، فترك أغلبهم سلاحه وجلس مستسلمًا مستكينًا لا يلوي على شيء ولا يبغي قتالًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهل ستكون هذه نهاية الرحلة مع نبينا، وهل سينتهي بذلك نزول خبر السماء إلى الأرض، ويرجع بعده الإسلام إلى العدم وينتصر بذلك الكفر وأهله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت