الصفحة 29 من 118

لا والله، لا يرضى الله بذلك أبدًا، وللإسلام رب يحميه ويعليه وينجيه، وهو الذي سخر له أمثال أنس بن النضر وسعد بن معاذ وثابت بن الدحداح الذين راحوا يستنهظون الهمم ويذكرون الناس بالشهادة وأن نهاية الطريق ليست ههنا إنما اللقاء مع نبيهم في الجنان، وأن قتالهم هذا في سبيل الله فلئن مات نبي الله فالله حي لا يموت، وقد حققوا بذلك مطمعهم فعاد المسلمون إلى رشدهم وثابوا إلى صوابهم ورجعوا إلى القتال، فجازاهم الله على ذلك أن علموا بأن الرسول عله الصلاة والسلام لا يزال حيًّا مواصلًا لقتاله فاستعادوا الأمل في النصر من جديد.

ولنا أن نتخيل، كما فرضنا من قبل، لو صح مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواصلت حال المسلمين على ما ذكرنا بعده هل كان الكفار سيتركون أحدًا بعده حيًّا ليواصل مسيرته في الدعوة؟

وإن تركوهم فهل كانوا سيجرؤون على المجاهرة من جديد بدعوتهم والصمود كما صمدوا أول مرة والرسول بين ظهرانيهم؟

واضحة هي الأجوبة دون ذكرها، وهي ما تأكد في كل خطوة للإسلام من البعثة إلى يومنا هذا أن الأمر ليس متعلقًا بشخص معين وإن كان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالدين دين الله وهو مدبر أمره، فلا زال يعلو وينتشر حتى عم البقاع ولن يترك على الأرض بيت مدر ولا وبر حتى يدخله.

وفي آخر مشهد من مشاهد هذه الغزوة المباركة،- التي ظاهرها الشدة وباطنها منح ومسرات وأجر عظيم- يطغى الحب والتضحية في سبيل المحبوب في مواقف منقطعة النظير من بطولات الصحابة لفداء النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته، وقد تصدر هذه البطولات طلحة رضي الله عنه حتى قال فيه عليه الصلاة والسلام:"أوجب طلحة"- أي الجنة - ثم أبو دجانة الذي ترّس النبي صلى الله عليه سلم بظهره والسهام تغرس فيه فما تحرك ولا توجع، وأبو طلحة وهو يقي النبي صلى الله عليه سلم بترسه فإذا أخرج النبي رأسه قال أبو طلحة:"بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك"، وقتادة بن النعمان الذي وقعت عينه فردها عليه رسول الله، وعبد الرحمن بن عوف الذي أصابه العرج من كثرة الجراح ومصعب بن عمير الذي ما زال حاملًا اللواء بيمناه فقطعت فحمله بيسراه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت