عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، فقال له أبو سفيان: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلن بقيتهم، فنهاه معبد عن ذلك.
وقع كلام معبد في قلوب القوم، ففشلوا وذهبت ريحهم وانهارت قواهم وعزموا مواصلة طريقهم دون الرجوع إلى المدينة علهم ينجون من جيش المسلمين، وهو ما يدل على جبنهم حينها، حتى أنهم عمدوا إلى وفد من عبد القيس يريد المدينة فأغراهم بنصيب من الزبيب على أن يرهبوا جيش المسلمين ويبلغوهم أن الكافرين قد أجمعوا الكرة عليهم، وقد كان ذلك، فقالوا: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} ولكن هذا لم يزد المسلمين إلا إيمانًا وثباتًا، {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ° فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم"} "
ها هي منة الله وفضله تتجلى مرة أخرى في حفظ الإسلام ومنع المشركين من المساس به أو النيل منه، وكان من الممكن أن يرجع إليهم الكفار حقًّا فلا يذروا منهم فردًا بسبب ما كانوا عليه من حالة حرجة بعد معركة أحد، ولكنه ألقى في قلوبهم الرعب فأحجموا عن فعل ذلك،"ويؤكد لنا تعجيل أبي سفيان في الانسحاب والانصراف، أنه كان يخاف على جيشه المعرة والهزيمة لو جرت صفحة ثالثة من القتال" [1] ، وعلى عكسهم فقد صمد المسلمون ينتظرون بحمراء الأسد ثلاثة أيام بعد قدومهم متوكلين على الله طالبين النصر والعون منه، وقد ثبتهم الله تعالى بقوله: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} ، ثم عادوا إلى المدينة بعد أن كفاهم الله القتال.
هكذا انتهت غزوة حمراء الأسد التي كانت جزءًا و تتمة لغزوة أحد، وكان لهذه الأخيرة آثار وحكم عظيمة نستخلصها من كلام ابن القيم في كتابه زاد المعاد وهي:
-فضح المنافقين وكشفهم وإبعادهم عن منازل الصادقين الذين يطلبون النصر أو الشهادة
-سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي.
-تأخير النصر هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون.
-لا يخلوا النصر من الابتلاء ثم تكون العاقبة للمؤمنين، فلو أنهم انتصروا دائمًا دون تمحيص لدخل فيهم من ليس منهم.
(1) انظر: الرحيق المختوم: (ص 339) .