الصفحة 36 من 118

يلقون المؤمنين فيقولون آمنّا فإذا خلوا إلى بعضهم قالوا: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} .

فأراد النبي صلى الله عليه وسلّم أن يقف على الحالة المعنويّة لجنوده فجمعهم وحدثهم في أر يستطلع به ما عندهم، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة زعيمي الأنصار، فاستشارهما في الصلح الذي عرضته عليه قبيلة غطفان، وهو أن يعطوا ثلث ثمار المدينة لعام كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، ولم يبق إلا التوقيع على صحيفة الصلح، فما كان منهما رضي الله عنهما إلا أن قالا له صلى الله عليه وسلّم:"لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام" [1] .

وفي رواية أنهما قالا:"يا رسول الله: أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قِرًى" [2] .

ومن أجل هذه الردود العالية التي تظهر فيها روح العز والكرامة قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة مع الأعراب الذين كان يمثلهم الحارث الغطفاني، قائد بني مرة، واستعدّ لمواجهة جموع الأحزاب بعون الله ثم بجنده المؤمنين بالله ورسوله.

لم يلبث النبي والمسلمون إلا قليلًا حتى جاءهم بلاء جديد جليل ذلك أن يهود بني النضير أرادوا أن يجروا معهم إخوانهم يهود بني قريظة إلى نقض العهد والغدر بالمسلمين والوقوف مع الأحزاب. فأوفدوا حييًا ابن أخطب للقيام بهذه المهمة. فجاء حيي إلى كعب بن أسد القرظي. وبعد حوار طويل بينهما أقنعه بنقض العهد مع المسلمين بحجة قوة الأحزاب ومقدرتهم على استئصال المسلمين، وأغراه بأن يدخل معه حصنه عندما ينصرف الأحزاب، بعد أداء مهمتهم.

وكان يومًا عصيبًا من الدهر، ذلك اليوم الذي علم فيه المسلمون نقض بني قريظة ما بينهم وبين المسلمين من عهد. وتكمن خطورة ذلك في موقعهم الذي يمكنهم من

(1) أخرجه البزار، انظر: كشف الأستار للهيثمي: (1704) .

(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 66) ، وانظر مجمع الزوائد (6/ 132) ، والسيرة لابن هشام: (3/ 310) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت