الصفحة 65 من 118

في سنة 616 ه كانت أولى هجمات التتار على الدولة الخوارزمية، وقد تصدى له محمد خوارزم شاه بجيشه أربعة أيام كاملة ومات من الجيشين خلق كثير، ولما رأى محمد شاه أن أعداد التتار مهولة لا تنقص مهما قتلوا منهم فضّل الانسحاب، فتوجه إلى بخارى ليعيد تجهيز الجيش ويحمي أملاكه وأمواله، ولكن جيش التتار لحقوهم إليها وحاصروهم هناك ثلاثة أيام ثم طلبوا الأمان خديعة ومكرًا، واستعمل جنكيزخان أهلها لبلوغ القلعة حتى دخلها وأمر بقتل كل من فيها وبذلك استباح كامل المدينة"فاصطفى أموال تجارها وأحلّها لجنده فقتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إلا الله عز وجل، وأسروا الذرية والنساء وفعلوا الفواحش بحضرة أهليهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قُتل، ومنهم من أسِر فعذب بأشد أنواع العذاب .. ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت حتى صارت خاوية على عروشها" [1] .

كل هذا وهم في أول هجمة لهم على الدولة الخوارزمية، فأي توحُّش هذا وأي حب للتدمير والتخريب هذا الذي غرسه جنكيزخان في مقاتليه؟

ثم واصل الجيش التتاري طريقه من مدينة إلى أخرى يخربون وينهبون يحرقون ويقتلون حتى ملكوا في سنة واحدة كل الممالك التي بالناحية الخوارزمية من الشمال والوسط وحان الوقت ليتوجهوا جنوبًا حيث كانت تحت سيطرة جلال الدين بن محمد بن خوارزم شاه.

جمع هذا الأخير جيشًا كبيرًا كونه بعد تحالفه مع عدة ملوك للتصدي لهجوم التتار، وكانت معركة شديدة رهيبة، قاتل فيها المسلمون ببسالة وزاد اجتماعهم وحسن قيادتهم من قوتهم فعلت همتهم لما رأوا من غلبتهم على جيش الكفار وكثفوا جهودهم حتى انتصروا بفضل الله على جيش التتار لأول مرة وقد ظنوا من قبل أنه جيش لا يُهزم وكان ذلك من جميل أقدار الله ليذكرهم أن ما من قوة في الأرض إلا والله أقوى منهم وما من جيش مهما بلغ عدده وعدته فهو خاسر إن حارب دينه وأن في اجتماع المسلمين وتوحيد صفوفهم سببًا لاستجلاب النصر.

(1) انظر: البداية والنهاية: (13/ 99) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت