وحقق المسلمون بعد ذلك نصرًا آخر في معركة كابل وكانت أعنف من سابقتها، وخرج فيها المسلمون مع النصر بغنائم كثيرة وأموال طائلة، وليتهم لم يفعلوا فقد كان في ذلك فتنتهم وانشغالهم بالمال دون الجهاد فاقتتل الملوك فيما بينهم وتنازعوا في ذلك حتى فشلوا وذهبت ريحهم وكانت تلك الفرصة لجيش التتار لينال منهم وقد تقسموا وتفرقوا وقلّ عددهم، فاجتمعوا عليهم وقتلوا كلّ سكان المدينة سوى جلال الدين وبعض مقربيه وأعوانه الذين فروا في السفن نحو بلاد الهند.
كما كان توحد المسلمين واجتماعهم على الجهاد في سبيل الله سببًا في نصرهم فإن عكس ذلك من الفرقة والتشتت والصراعات الداخلية كان سببًا في هزيمتهم وحرمانهم وقتلهم، تلك سنة الله يا أولي الألباب لعلكم تعقلون!
إذًا فقد بات الخطر قريبًا جدًّا من بغداد والخلافة العباسية، لذلك حاول الخليفة الناصر لدين الله -الذي كان مجرد صورة على الملك ولم يكن له كبير خبرة في المجال السياسي والحروب- حاول جمع أكبر عدد ممكن من المقاتلين ليكوِّن بهم جيشًا يعتمد عليه في الدفاع عن أرضه، ولم يظفر إلا بثمانمائة مقاتل وهو عدد هزيل سيسحقه التتار عند أول المواجهة.
لئن عجزت الأسباب فلا ننسى أبدًا مسبب الأسباب عز وجل، فبرغم كل ما سبق من ضعف وهوان في الدولة الإسلامية إلا أن جيش التتار انسحب وفضل عدم الدخول في المعركة اعتقادًا منه أن الثمانمائة مقاتل ما هم إلا مقدمة للجيش المسلم وأما البقية فإنهم مختفون وهذا من تدبير الله عز وجل لدينه فقد قذف في قلوب الكافرين الرعب حتى ولّوا مدبرين، كما تكرر هذا الموقف لما أرادوا الدخول إلى تبريز فعلموا أن قائدها شمس الدين الطغرائي قد جند الجيوش لقتالهم وحثهم على الجهاد والنصر أو الشهادة فمروا عليها مخذولين قد تمكن منهم الرعب فلم يرفعوا راية القتال.
وفي سنة 622 ه ظهر جلال الدين بن خوارزم شاه من جديد بعد فراره، وقد أعلن الحرب على الخلافة العباسية وقد كانت العداوة بينهما قديمة كما حدثت عدة اضطرابات بينه وبين أخيه غياث الدين حول الحكم، في حين أن جيش التتار قد