الصفحة 75 من 118

دقّات وأصوات معيّنة اتفق عليها الجيش المسلم فكان ذلك سببًا في إلقاء الرعب في قلوب التتار.

وجاءت إشارة البدء فارتطمت الفئتان في مشهد عظيم يذكّر بغزوات النبي عليه الصلاة والسلام مع صحابته ضد الكفار، وحمي وطيس المعركة وزادت شدة القتال فيها وقد انخدع قائد التتار بالخطة التي استعملها قطز؛ إذ لم يلاحظ وجود بقية الجيش خلف التلال، ولما رأى أن مقدمة الجيش الإسلامي تبلي بلاء حسنًا في القتال ألقى هو بكافة جنده في المعركة دون ترك جزء للاحتياط أو التعويض لاحقًا.

نفّذت مقدمة الجيش الإسلامي الجزء الخاص بهم كأحسن ما يكون فقد صمدوا وصبروا حتى استنزفوا الجهود من التتار وأضعفوا قوتهم، وهنا حان وقت المفاجأة للعدو بتنفيذ الجزء الخاص بالجيش الرئيسي الرابض خلف التلال والأحراش.

بدأ ركن الدين بيبرس في سحب جيش التتار إلى داخل سهل عين جالوت وقد كان ذلك من الدقة والصعوبة بمكان"فكان عليه أن يُظهِر الانهزام أمام التتار، ويتراجع بظهره وهو يقاتل، على ألا يكون هذا التراجع سريعًا جدًّا حتى لا يلفت أنظار التتار إلى الخطة، ولا بطيئًا جدًّا فتهلك القوة الإسلامية القليلة أثناء التراجع" [1] .

نجح ركن الدين بيبرس في ذلك فجاء الأمر من قطز إلى الجيش الرئيسي عبر الفرقة العسكرية، وانهالت الكتائب الإسلامية من بين التلال كأنها السيل تمحق معها قوات التتار محقًّا والتفّوا عليهم وأغلقوا المخرج الوحيد من ناحية الشمال لئلا يتمكنوا من الفرار منهم ودارت بذلك معركة طاحنة لا مثيل لها.

ومن شجاعة قطز رحمه الله أنه لمّا رأى ضغط الميسرة من جيش التتار يزداد على ميمنة الجيش المسلم وأن القوات الاحتياطية لا تفيدهم نزل بنفسه إليهم وصرخ فيهم:"وا إسلاماه"وكانت كلمته الشهيرة والمتكررة في المعركة ليذكرهم أن الفوز للإسلام ولو على حساب أنفسهم، وقاتل معهم قتالًا شديدًا وهو راكب، ثم أصيب فرسه فقاتل راجلًا، ولم يتوانى في الافتداء بنفسه أبدًا، وهو ما زاد من حماس المسلمين وجرأتهم عل القتال.

(1) قصة التتار (ص 321) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت