وبدأت البشريات تتوالى فقد تمكن أحد المماليك من قتل زعيم التتار كتبغا وهي بلا شك ضربة قاصمة في صفوف الكافرين فقد تفرقوا بعده ولم يجدوا جدوى من استمرار القتال فتولوا يبحثون عن مخارج لهم للفرار واستماتوا في الدفاع عن ذلك ولكن صرخات القائد قطز علت مرة أخرى رافعة معها همم الرجال وقوتهم فأبادوا جيش التتار بأكمله ولم يبقوا من الذين حضروا تلك المعركة أحدًا وتم فضل الله عليهم في تلك الواقعة.
وهنا لنا أن نتساءل كيف لقائد مثل كتبغا الذي عاصر جنكيزخان وقضى أكثر من ثلاثين سنة في الحروب أن يقع في مثل هذه الخطة التي أعدها قطز؟
كيف لقائد مثل قطز بهذه الخطة التي تظهر بسيطة ومألوفة وبإعدادات أقلّ مما عليه جيش التتار أن يحقق هذا النصر الساحق؟
كيف للمسلمين بعد تلك المسيرة الطويلة من الضعف والهوان والذلّ أن يكونوا هذه القوة والشجاعة والصبر على الشدة والثبات؟
"يبقى التفسير الوحيد المقبول في مثل هذا الموقف هو أن تدبير رب العالمين سبحانه وتعالى، الذي يخرج عن القياسات العادية للبشر، ويدفع أشخاصًا بعينهم لأفعال معينة في ظروف معينة .. لو تكررت الظروف نفسها ألف مرة فلعل الرجل -كتبغا- لا يأخذ القرار نفسه أبدًا، ولكن الله عز وجل أراد لهذا الجيش التتري الهلكة على يد الجيش المسلم" [1] ، غيرة منه سبحانه وتعالى على دينه و حفاظًا عليه بعد أن كان محوه من الأرض وشيكًا.
لم يكتف القائد قطز بهذا النصر لأنه يعلم أن بقية التتار في الشام لازالت تفرض سلطتها وقد كان حريصًا على عدم وصول خبر النصر إليهم حتى يباغتهم في أماكنهم، ولكنه راسل المسلمين يبشرهم بالنصر والعزة ويدعوهم للمشاركة فيما تبقى من مهام للقضاء على بقية التتار وكانت الفرحة بذلك شديدة.
وبعد خمسة أيام فقط من معركة"عين جالوت"كان قطز بين إخوانه في دمشق قد أحسنوا استقباله وأقاموا لذلك أفراحًا وحق لهم ذلك وزاد الجو بهجة حلول عيد
(1) قصة التتار (ص 323) .