فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 144

حيثما كانت وكيفما كانت، مادامت سندًا للحق، ودفاعًا عن العرض والمال والحياة، وحماية الضعفاء من جبروت الطغاة وعدوان الأقوياء.

ولن تكون الشجاعة في حال من أحوالها مذمومة، ولن تكون في مجاوزتها الحد المألوف رذيلة توصف بالتهور كما يقول دعاة الوسطية، بل التهور رذيلة؛ لأنه حمق وخرق وخطل في التدبير وعجز عن طبط النفس وغفلة عن الحزم وعن تدبر العواقب.

ليست الشجاعة دائمًا ألا يخاف المقدم، فإنها كما تكون في الإقدام تكون في الإحجام، وكما تكون في الإستهانة بالمخاوف تكون في توفي بعض المخاوف، وفي تقديرها، وفي التغلب عليها، لا للإستكانة لها.

وهذه الشجاعة درجات، أولها فضيلة، وعلياها فضيلة، بل أفضل الفضيلة، وهي الفداء والبطولة والإستشهاد، وكذلك الكرم تتفاوت درجاته من جود بالقليل إلى جود بالكثير غلي بذل للأكثر إلى سخاء بالمال كله، ولكل حالة من هذه الحالات بواعثها وأهدافها السامية.

فقد يجود الشخص في سبيل الخير بالعشرة أو بالمئة وتسمي كريمًا، لأن طاقته لا تحتمل أكثر من هذا، أو لان الصالح العام لا يوجب عليه فوق هذا. وقد يجود شخص بالآلاف أو بمئات الآلاف، ولا يسمي مسرفًا، لأن ثراءه يتسع لهذا السخاء وتقتضيه.

على أن هذا الشخص أو ذاك يوصف بالإسراف إذا بذل المال القليل في عبث لا يمت إلى الخير بسبب، أو أنفق أقل القليل في معصية الناس أو إضرار الناس، وهل يستطيع الناس أن يصفوا بالإسراف غنيًا لا وارث له يخرج عن ماله كله للفقراء، أو يشيد به مدرسة أو مسجدًا أو مصنعًا، أو يشتري به سلاحًا للدفاع عن الوطن؟.

إن هذا الغني لا يوصف إلا أنه بلغ ذروة الأريحية والسخاء. وهل يستطيع أحد أن يصف بالتهور البطل المقدام الذي يستهين بالحياة ليفتدي دينه أو وطنه أو عرضه؟.

وهذا الذي نقوله في نقد الوسطية في الفضائل كلها، نقوله مثله في نقدها في الرذائل كلها، كالجبن والبخل والفجور وغيرها.

تحديد الوسط صعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت