2 -على أن نقطة بين الرذيلتين لا يمكن تحديدها، فكيف تعرف؟ ومن الذي يحكم بأن هذه النقطة هي الإعتدال دون غيرها؟ وهل الوسط بين رذيلتين محدود، أو ممكن التحديد، مثل منتصف طريق معروف الطول؟ وأين ذلك المقياس الذي يعين المنتصف الذي عناه ارسطو وسواه؟.
وإنه ليسترعي النظر حيرة أرسطو في تعيين الوسط، فقد ذكر: ـ أن إدراك الوسط في كل شيء أمر صعب جدًا، كما أن إستكشاف مركز دائرة لا يتيسر لجميع الناس، ولهذا كان على من يريد إصابة ذلك الوسط أن يبتعد عن الرذيلة التي هي أشد ما تكون تضادًا مع هذا الوسط، لأن هذين الطرفين أحدهما أكبر إثمًا والآخر أقل [1] .
وقد سبق قول ابن مسكوية أنه من الصعب جدًا وجود الوسط، وأن إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها.
3 -ونستطيع أن نفهم كلام أرسطو نفسه ان الوسط متنقل غير ثابت ولا محدد، فهو تارة يقول: ـ"أن المراد الوسط بالنسبة لنا [2] "وتارة يقول: ـ"أن بعض الأطراف تشبه الوسط، فالتهور به بعض شبه بالشجاعة، والسرف به شبه بالسخاء، ولكن المفارقة الكبري تتبين بين بعض الأطراف وبعض [3] ".
4 -فإذا ما راعينا أن الفضيلة ليست دائمًا متساوية البعد عن الطرفين تبين لنا أن الوسط بين رذيلتين ليس هو الفضيلة، لأن الشجاعة أبعد عن الجبن من بعدها عن التهور، والكرم أقرب إلى جانب الإسراف منه إلى جانب البخل، والعفة أدني غلي الخمود منها إلى الفجور وهكذا.
5 -على أن بعض الفضائل لا يتحقق فيها أنها أوساط بين رذائل، فالصدق ليس وسطًا بين الكذب وشيء آخر، إنما الصدق صدق فحسب، والكذب كذب فحسب، والعدل ليس وسطًا بين الجور وشيء آخر، بل العدل عدل خالص والجور جور خالص، والعفة ليست وسطًا بين الفجور والخمود، بل العفة هي العفة.
(1) ـ"علم الاخلاق" (1/ 262) لأرسطو.
(2) ـ"علم الأخلاق" (1/ 245) .
(3) ـ"علم الأخلاق" (1/ 259) .