وقد ذكر أرسطو [1] "أن الوسط القويم بين طمع غال في المجد وقعود تام عن المجد ليس له اسم خالص، وذكر أن الصدق ليس وسطًا بين رذيلتين [2] ، وحار في التواضع فلم يعده فضيلة [3] ، ولعلنا ما زلنا نذكر أن الغزالي ـ وهو من دعاة نظرية الوسط ـ جهر بأن العدل لا تكتنفه رذيلتان، وقال:"إن الرذيلة المقابلة للعدل هي الجور"."
الوسطية تعرف بالشرع
قال الحوفي [4] إن تحديد الوسط صعب ولا يمكن الإتفاق عليه. ا. هـ.
قلت: هذا كلام غير دقيق، ولكي نعرف الوسط"لا نخضع للأهواء أو التقديرات [5] الذاتية وإنما تعرف الوسطية بالشرع، وقد تعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء، وإذا كنا قد ألمحنا إلى معاني الوسطية ووجوه إستعمالها، فإن ذلك يشير إلى أن الوسطية هي كون الإنسان في دائرة المشروع، وهي الخير والعدل، فإذا وقف المرء دون هذه الدائرة ولم يعمل فيها كان مقصرًا مفرطًا، وإذا تجاوزها كان مفرطًا مغاليًا متطرفًا إلى الجهة الأخري المذمومة، فليس معني الوسطية ـ إذن ـ أن يكون الإنسان دائمًا في نقطة الوسط المادي بين جهتين أو صفتين، فقد يتعدي هذه النقطة ليصل إلى ما هو أعلى منها دون أن يخرجه ذلك عن دائرة الوسطية، وليس هناك ما يمنع شرعًا من تجاوز العدل إلى الفضل، بل هنا ما يحمل أصحاب النفوس العالية والهمم القوية على الإرتقاء دائمًا والسمو والتطلع نحو الآفاق العالية الكبيرة التي لا يستطيعها المهازيل أو ضعاف النفوس، ويحملهم ايضًا على الإستكثار من الاعمال الصالحة والتمسك بأحكام الكتاب والسنة"ا. هـ.
مناقشة الحوفي في نقده لنظرية الوسطية
تعسف الدكتور الحوفي في نقده لنظرية الوسطية في الاخلاق وجعل الآيات القرآنية التي تحدثت عن الوسطية محلًا للشبهات بتفسيرات ركيكة جانبه فيها الصواب وكما وضحنا أن الوسطية في الأخلاق لا تقاس بالمعادلات الرياضية كما في التحليل اليوناني، ولكن
(1) ـ"علم الاخلاق" (2/ 32) .
(2) ـ"علم الأخلاق" (2/ 43) .
(3) ـ"علم الأخلاق" (1/ 250) .
(4) ـ"الوعي الإسلامي"مرجع سابق.
(5) ـ"مجلة البيان"عدد"167". مقال د. عثمان جمعة ضميرية (وسطية الإسلام والأمة المسلمة) (ص/14) .