فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 144

الوسطية والتوازن إنما يعرف بالشرع فهو يدور في دائرة الشرع والعدل وإن كان أحمد الحوفي ـ رحمه الله ـ حاول جاهدًا أن يتمادي في نقده بما ينسف أساس النهج ذاته.

قال رحمه الله تعالى [1] تحت عنوان"شبهة وردها":ـ وقد يتبادر إلى الخاطر ان في بعض الآيات القرآنية مدحًا للوسط بذلك المعني ودعوة إليه: ـ فالكرم مثلًا وسط بين البخل والإسراف لقوله نعالى"وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا" (لإسراء /29) .

لكن هذا الفهم غير صحيح، لان الآية الكريمة مسبوقة بقوله تعالى"وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا"

(الإسراء /26 - 29) .

ومعني هذا أن الله سبحانه أمر عباده بصلة أقاربهم وبصلة المساكين وأبناء السبيل، بعد أن أمرهم في آية سابقة ببر آبائهم وأمهاتهم، ثم نهاهم عن التبذير وهو الإنفاق في المعاصي، وفي غير الحق، ونهاهم عن التقتير وهو البخل بالمال في الخيرات والطاعات، وهذا المعني الذي روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود ومجاهد، وقتادة وابن زيد. أما الإنفاق في الخير وفي الحق فقد قال فيه مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرًا، ولو انفق مدًا في باطل كان تبذيرا [2] .

قال الحوفي: ـ"وروي عنه قوله"لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله ما كان إسرافًا ولو أنفقت صاعًا في معصية الله كان إسرافًا" [3] ."

إذن فقد نهي الله عن البخل في الحقوق التي أوجبها على الأغنياء في أموالهم، ونهي عن السفة في الإنفاق، لأن السفبة بإتلافه لن يجد ما ينفقه على نفسه، فيما بعد، ولن يجد ما

(1) ـ"مجلة الوعي الإسلامي"عدد"39"السنة الرابعة سنة 1388 هـ = مايو 1968 م.

(2) ـ"تفسير الطبري" (15/ 53) .

(3) ـ"تفسير الطبري" (19/ 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت