يتصدق بثلث ماله، ومنهم من يجود بنصف ماله، ومنهم من يسخو بماله كله، وقال عمر بن الخطاب: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن
نتصدق، ووافق ذلك مالًا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله:"ماذا أبقيت لأهلك؟"فقال: مثله، وجاء أبو بكر بكل ما عنده، فقال رسول الله:"ما أبقيت لأهلك؟"فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسبقه أبدًا
كذلك كان عثمان بن عفان، فقد إشتري وحده بئرًا من يهودي بالمدينة بعشرين ألف درهم، وجعلها ملكًا للمسلمين، وإشتري وحده موضع خمس سوار"أي أعمدة"زاد بها مساحة مسجد المدينة، وهو الذي مد الجيش الإسلامي في غزوة تبوك بتسعمائة بعير وخمسين فرسًا وألف دينار.
فها هنا سخاء كثير، لكنه ليس من الإسراف في شيء، لأن البذل في الطاعات لا يوصف بإسراف، فقد سمع رجلًا يقول: لا خير في إسراف، فقال له: لا إسراف في خير"ا. هـ."
والجواب على ذلك
أن أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم طابت أنفسهم بذلك لأنهم كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم فيهم"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [1]
فمن طاق على فعلهم، ولم يؤدي به ذلك إلى الشكوي والندم وفعل ذلك فلا بأس به مطلقًا، والأخذ بمبدأ الوسطية هو الأصل لأن الناس جميعًا لا يطيقون أن يخرجوا أموالهم كلها في سبيل الله ويتركون أولادهم فقراء بلا مال فهذا يؤدي بهم غلي الحرج والشريعة جاءت بنفي الحرج، وإن فعل ذلك بعضهم تأسيًا بأصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وخرج عم مبدأ الوسطية لا يعني ذلك أن هذا المبدأ خطأ أو قصور بل إن أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم تتفاوت هذه الأمور فيما بينهم فمثلًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترك نصف ماله لأولاده"وهذا يقره الإسلام لأنه جاء على مبدأ الوسطية"وأبو بكر"لأن إيمانه يوزن بإيمان أمة محمد جمعاء"ترك لأولاده الله عز وجل"تمام اليقين والتوكل"وتبرع بماله كله لله فهل إيمان كل واحد منا مثل إيمان أبي بكر؟.
(1) ـ أخرجه البخاري عن ابن مسعود (2652) ، (3651) ، (6429) ، (6658) رضي الله عنه.
وسوف نرد علي هذه الشبهة مرة أخري يطريقة أوضح كما سيأتي.