وفي هذا قال العلامة ابن القيم الجوزية (ت/751 هـ) [1]
"الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما أن الله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، أما العقود والشروط والمعاملات، فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعي الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها فإنه سكت عنها رحمة غير نسيان وإهمال"انتهي.
وهناك أمر ينبغي ألا يغيب عنا ونحن بصدد موقف الإسلام من المعاملات التي رأي الناس يتعاملون بها، ذلك هو ما اصطلح الفقهاء والأصوليون على تسميته (بالترخيص) فإنه مع الإعتراف بأن الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قد نظر إلى بعض المعاملات نظرة أساسها الرفق بالناس، وتقدير ما تدعو إليه الحاجة من تسامح وتيسير، فأباح هذه المعاملات مغضيًا عما يلابسها من بعض الغبن أو الغرور أو الجهالة، فإننا نجد الجمهرة الكبرى من علماء المذاهب الإسلامية يقفون أمام هذه المعاملات موقف يعتبرها استثناء وترخيصًا على خلاف القواعد العامة، ويرتبون على ذلك أن أحكامها خاصة لا تنسحب على غير الصور التي وردت فيها، ولا تتعدي موضعها ويضعون الشروط والأوصاف للحالة التي ورد فيها الترخيص حتى لا ينتقل الحكم إلى غيرها، وهذا مسلك فيه من الحرج والتضييق مالا يتفق وروح التشريع في المعاملات.
الأصل في المعاملات الإباحة: ـ
ومظاهر التطور الزمني في الحاجات والضرورات، وهو يعد عكس للقضية التي شرحناها آنفًا، من أن المعاملات على الإباحة حتى يرد النهي، فالشارع لا يستعمل أسلوب النهي العام المطرد في المعاملات حتى يسوغ لنا إذا رأينا صورة تخرج على هذا العموم أن نعتبرها
(1) ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 299 ـ 300) .