ولكن الشارع الحكيم قد يكلف عباده ببعض العبادات التي لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة محتملة كأمرهم بالجهاد، والوضوء على المكاره، والصيام في الحر ... ونحوها، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا
قال الإمام ابن القيم [1] "الله سبحانه لم يبتل العبد ليهلكه، إنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته؛ فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء كما له عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون. والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، فيه تفاوتت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى؛ فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية؛ وهذا الوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبودتين، فمن كان عبدًا لله في الحالتين قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب؛ فذلك الذي يتناوله قوله تعالى"أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ" (الزمر /36) ."
فإذا تبين أن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، فإنه لا يصح التقرب إلى الله تعالى بالمشاق، فإذا تيسر تسخين ماء الوضوء البارد ليتوضأ العبد بإسباغ وسكينة بلا مشقة فإن ذلك أولي من الوضوء بالماء البارد.
قال العز بن عبد السلام [2] "لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى، وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا".
وقال الشاطبي [3] "الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق والإعنات فيه"ثم ذكر أن الدليل على ذلك أمور:
أحدهما: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى"وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ" (الأعراف /157) .
(1) ـ الوابل الصيب (ص/18) .
(2) ـ قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 31) .
(3) ـ الموافقات في أصول الأحكام (2/ 121) .