فكما رأينا منهج وسطي معتدل لا إفراط فيه ولا تفريط، وليعتبر أصحاب الملذات والقصور المشيدة، كم بين المسلمين من يتيم يتضور جوعا! وكم من مريض لا يجد ثمن الدواء! وكم من مسلم لا يجد مأوي أو ثمن الرداء! وليحذروا أن تتحول عنهم هذه النعم إلى غيرهم، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:"إن لله أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم" [1]
الإسلام وفلسفة العري
قال الشيخ محمد المدني [2] رحمه الله تعالى: ـ
والواقع أن مسألة اللباس والزينة من المسائل التي إختلفت فيها عادات الناس وأذواقهم، إختلفوا في اصلها، وإختلفوا في مادتها وطريقة لبسها، والذي يعنينا من ذلك هو أن نذكر أن فريقًا من البشرية أخذت يؤثرون العري والتخلي عن الثياب عامة، ونحسب أن البشرية بهذا التقليد في بعض عصورًا إنحطاطًا عندما كان الإنسان كهفيًا جبليًا، ثم وجد في الناس من يتفلسف في هذا فيزعمه تخلصًا من التكلف، ورجوعًا إلى الفطرة والطبيعة، ويقول: إن الإنسان يولد عاريًا ككل حيوان آخر، فلماذا يتكلف اللباس؟ ولماذا لا يبقي على الوضع الذي خلقه الله عليه كما تبقي الحيوانات الأخري؟.
وهل يجر عليه اللباس إلا تعقيدات هو في غنى عنها لو ألف العري والتجرد؟ وهل جاء التفاوت الطبقي إلا من هذه الإضافات وأثالها إلى الطبيعة المجردة؟.
ومن الناس من يفلسف العري عل نحو آخر، وقد بدأ هذا من فكرة الزهد والتقشف والميل إلى عبادة الله بالتجرد، فإننا نري هذا في المتصوفة حيث يكتفون بأيسر الثياب وبأدناها مادة، فيلبسون الصوف لخشونته أو المرقعات لحقارتها والرغبة في إذلال النفس وتعذيبها،
(1) ـ ذكره الألباني في الصجية (1692) ، وعزاه لابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني في الاوسط، وأبي نعيم في الحلية ن والخطيب في التاريخ، ويحي بن منده في أحاديثه، وتمام في الفوائد، وأبي نعيم في"أخبار أصبهان"، وابن عساكر في التاريخ، والضياء في"المنتقي"من مسموعاته بمرو، وقال: فالحديث عندي حسن بمجموع هذه المتابعات.
(2) ـ مرجع سابق (ص/42) .