إن المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطي إلا ويري فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التي لا تضارعها دعارة مواخير الفساد.
يقول رئيس دير كلوني: إن بعض رجال الدين في الأديرة وفي خارجها يستهترون بابن العذراء إستهتارًا يستبيحون معه إرتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التي أنشأها المؤمنون الخاشعون لكي تكون ملازًا للعفة والطهارة في حرمها المسور، لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتي أصبحت مريم العذراء لا تجد مكانًا تضع فيه الطفل عيسي [1] .
نتائج الغلو ومجافة الفطرة عند أهل الكتاب
لقد أدي التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تمامًا وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق تضرب بها الامثلة في ذلك، وقد وصل الحال بنصاري الشرق ـ وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكًا ـ إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر وألفوا في ذلك كتبًا منها كتاب
"الديارات"المعروف لدي دارسي الأدب العربي [2] .
قال الشيخ أبو احسن الندوي [3] قدس الله سره
كان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال (صفات) الفتوة والمروءة التي كانت تعد فضائل، عادت فإستحالت عيوبًا ورذائل، وزهد الناس في البشاشة وخفة الروح والصراحة والسماحة والشجاعة والجرأة وهجروها، وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية؛ ورغم الكنود والقسوة على الأقارب، فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة، وعيونهم من الدمع، تقسو قلوبهم، وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات، والأولاد يتامي، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا
(1) ـ قصة الحضارة: (14/ 372) نقلًا عن العلمانية (ص/94) لسفر الحوالي.
(2) ـ الكتاب من تأليف أبو الحسن الشابشني حققه: كوركيس عواد نقلًا عن العلمانية (ص/95) . ليكي.
(3) ـ ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين (ص/242) نقلًا عن"تاريخ أخلاق أوربا"