الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد إبتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا ومن هذا ففيهم شبه بهؤلاء وهؤلاء
ونظرًا لأن النفوس"لا تترك إلا بشيء، وأن النفوس قد خلقت لتعمل لا لتترك، وإن الأنبياء بعثوا بتكميل الفطرة وتكريرها لا بتبديلها وتغييرها" [1] .
ولذلك فقد صرف الرسول صلي الله عليه وسلم الصحابة عن التبتل والإنقطاع إلى العبادة والسياحة صرفهم إلى الجهاد في سبيل الله عزوجل وإلى الصيام وغير ذلك ليصرف المسلمين عن رهبانية أهل الكتاب المبتدعة ويبدل الشيء بالشيء ويعطي النفس حقها من النشاط والترويح.
هل الجهاد أو الإنقطاع للعبادة أيهما خير؟
رجال تحيا القلوب بذكر أخبارهم
وفي هذه الحكاية التي سوف نرويها نتعلم الفرق بين رهبانية المسلمين ورهبانية أهل الكتاب فقد روي الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق عبد الله بن المبارك في هذه الأبيات بطرسوس [2] وودعنه للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة 170 هـ وفي رواية سنة 177 هـ يقول فيها: ـ
ياعابد الحرمين [3] لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل [4] الله في ... أنف إمريء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
(1) ـ النبوات (ص/56) . (بتصرف)
(2) ـ طرسوس: مدينة تقع علي تخوم بغداد بالعراق، وهي تقع الآن في سوريا.
(3) ـ عابد الحرمين: لقب الفضيل بن عياض رضي الله عنه.
(4) ـ وفي رواية"أهل الله"، والتي أثبتناها أدق وأصوب.