الصفحة 71 من 92

يتوجّهون في خطابهم إلى كيان الإنسان"الجبري (قوميته التي لم يخترها ووطنه الذي نشأ به ولم يختره) ، ومن هنا فإنهم يستثنون من خطابهم أيّة قومية أخرى، حتى لو كانت أصيلة في هذه البلاد، فماذا عن"الشركس"المسلمين الذين يقطنون في الشمال الفلسطيني في قريتي"كفر كما"و"الريحانية"قبل الوجود اليهودي بفترة طويلة؟ أين هم من هذا الخطاب العلماني ذي الهوية القومية العربية؟!"

وحين يجعل أولئك العلمانيون القضية الفلسطينية قضية"فلسطينية"بحتة، أو قضية"عربية"بحتة على أبعد تقدير، فإنهم يستثنون و"يُقصون"ربع سكان العالم المسلمين من وجودهم كخطّ أصيل فيها! مع أنّ قضية فلسطين بالنسبة إلى هؤلاء على درجة رفيعة جدّا من الأهمية، واختزال القضية في البعد الفلسطيني أو العربي فيه إقصاء لربع سكان العالم، وقبولهم كمتعاطفين أو مساهمين فحسب في دعم القضية هو مساواة لهم مع غيرهم من شعوب العالم، مع أنّ القضية ينبغي أن تكون في حسّهم أكبر مما هي في حسّ العربي أو الفلسطيني من غير المسلمين، لأنها متعلّقة بأهمّ ما لديهم في الحياة؛ متعلّقة بإسلامهم الذي هو أهمّ من أوطانهم وأقوامهم وعائلاتهم ومصالحهم الأرضية كلّها! فما هو مكان هؤلاء من الخطاب العلماني القومي؟!

تلك هي حقيقة التوجّه العلماني القومي إذن؛ أنّه خطّ "عنصري"و"إقصائي" بدلالة الحقائق الموضوعية لا بمجرد الشبهات البعيدة عن حقيقة الواقع!

وبعد ..

وبعدُ، فإنّ هؤلاء العلمانيين يقولون:"ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما يؤمن به المسلمون، فعلينا ألا نواجههم بالخطاب الإسلامي"! وهي قولةٌ بيّنا تهافتها، ومع ذلك نقول أيضا: ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما تؤمنون به أيها العلمانيون، فبناء على منطقكم المغالط ينبغي ألا نوجّه لهم الخطاب العلماني أو الليبرالي أو القومي؛ لأنّ منهم فئة لا بأس بها ترفض العلمانية والليبرالية والقومية!

والمفترض أنّ طرح الأفكار دون محاولة فرض اعتناقها على الناس هو أمر لا شائبة فيه في فكر هؤلاء العلمانيّين، ولكنّهم مع ذلك يرفضون الخطاب الإسلامي لأنهم يعرفون في دخيلة أنفسهم أنّ الخطاب الإسلامي يملك رصيدًا"تاريخيّا"ضخمًا؛ إذ هو خطّ أصيل في هذه الأمة، وهم لا يملكون عشر هذا الرصيد! ويملك رصيدًا"فطريّا"في الكيان الإنساني؛ لأنّه من عند الله والإنسان من خلق الله، وهم لا يملكون هذا الرصيد، فأفكارهم كلها مستقاةٌ من العقل البشري في ظروف شروده عن الوحي الرباني لملابسات تاريخية نكدة يصعب حصرها في هذا المقام [1] .

إنّ الذين يظنّون أنّ الإسلام مكوّن وراثيّ في هذه الأمة لا خيار فيه للإنسان واهمون! إنما الإسلام منهج رباني جاء من عند الله، وحملت نصوصه المحكمة أدلّة ثبوته العلمية القطعية [2] ، وهو يوجّه خطابه إلى كلّ إنسان؛ إذ إنّ الغاية منه تعبيد

(1) أنظر كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"للأستاذ محمد قطب، ففيه تفصيل واف عن نشوء الكثير من المذاهب الفكرية الأوروبية التي انتشرت في العصر الحديث في بلاد المسلمين.

(2) سنتحدّث عن هذه النقطة بعد قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت