الخلق لربهم وخالقهم، والله خلق جميع البشر ولم يخلق المسلمين فحسب!
وإنّ إحدى خصائص هذا الخطاب التي ينبغي للمسلمين أن يبادروا إلى إظهارها والافتخار بها هي أنّه متوجّه إلى الكيان"الاختياري"للإنسان [1] ؛ لأنه منهج مبنيٌّ على المبادئ، وكلّ إنسان مدعوٌّ إلى اتخاذ هذه المبادئ عقيدة ومنهج حياة. بينما الخطاب القومي يفتقر إلى هذه المبدئية التي يدعو إليها الإسلام. ومن طبيعة هذه الخصيصة في الخطاب الإسلامي تنبثق طبيعة أخرى، وهي طبيعة الانتماء إلى الناس.
فالمسلم لا ينتمي إلى العربي الفلسطيني لمجرد أنه"عربي"و"فلسطيني"حتى لو ارتدّ عن دين الله! والمسلم لا ينتمي إلى من حادّ الله ورسوله لمجرد أنه"عربي"و"فلسطيني"، والمسلم لا ينتمي إلى من ناصر قوى الجاهلية لمجرد أنه"عربي"و"فلسطيني"، إنما يدرك المسلم تمام الإدراك معنى قول الله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} (التوبة: 24) .
ومن طبيعة هذا الإدراك تكون طبيعة الخطاب والدعوة، وتكون طبيعة الانتماء [2] !
بقي لنا أن نبيّن بالأدلّة القاطعة أنّ الإسلام ليس مجرّد موروث يرثه المسلمون عن آبائهم دون اختيار! فللعلمانيّين دعوى عريضة في ذلك حيث يعتبرون"الإسلام"أمرًا وراثيّا جبريّا لم يكن للمسلم خيار فيه، وبناء على ذلك ليس لنا أن نفرّق بين الناس على أساس أديانهم، وإلا كانت هذه التفرقة"طائفيّة"مذمومة!
وسأنقل فقرات أخرى من مقال لي بعنوان"الإسلام موقف" [3] "بتصرّف"؛ لأبيّن تهافت هذه الدعوى التي يتبجّح بها العلمانيّون:
"العلمانيون من جهة، والجهلة من أبناء المسلمين من جهة أخرى، يتفقون على مغالطة كبيرة تمسّ أصلا من أصول الدين، ينبغي لكل مسلم أن يكون واعيا لها، عالما بالمفهوم الصحيح لموضوعها، مدركا لمقتضى ضبطه على الوجه الصحيح، وللآثار السيئة الناتجة عن تحريفه من قِبل أولئك العلمانيين أو جهلة المسلمين على السواء."
هذه المغالطة هي قولهم بأنّ الدين - كلّ دين - هو أمر وراثي، لا يختاره المرء، لأنه يولد على دين أبويه جبرا لا اختيارا. ويكفي في الردّ على هذا القول التذكيرُ بأنّ هناك ما يقارب خمسة آلاف بريطاني يدخلون في الإسلام - طواعية واختيارا - كلّ عام! وقد ولدوا إما على النصرانية أو على الإلحاد! فالأمر إذن ليس وراثيّا، وليس جبريا كما يدّعون.
بيدَ أنّي أحببتُ في مقالي هذا أن أبيّن أمرا ربّما غاب - للأسف - عن أذهان الكثيرين ممّن ولدوا بأسماء إسلامية ولأبوين مسلمين؛ وهو أنّ الإسلام قضية اختيارية؛ فهو إلى جانب كونه"دين الفطرة"لا يجوز الإيمان به دون علم
(1) سنتحدّث عن خصائص الهويّة الإسلامية في فصل قادم.
(2) إلى هنا ينتهي النقل من مقالنا"الطائفيّون قادمون - الجزء الأول".
(3) مقال منشور على مدوّنتي في الشبكة"مدونة أضواء".