الصفحة 74 من 92

صادقين (الأنعام: 143) .

{قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} (الأنعام: 148) .

{أإله مع الله؟ قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين} (النمل: 64) .

ويذمّ - سبحانه - اتباع الظنّ والأهواء والخرص دون دليل علمي:

{ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ} (النساء: 157) .

{بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} (الروم: 29) .

{ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} (الزخرف: 20) .

{وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون} (الجاثية: 24) .

وبعد هذا البيان من كتاب الله العزيز لا يكون للقارئ المنصف إلا التسليم بتلك الحقيقة؛ أنّ دين الإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا مبنيّا على الظن دون يقين، والتقليد للموروث دون علم، وأنّ كون التوحيد شيئًا مكنونًا في الفطرة ليس دليلا على جبريّته، بل إنّ هذا - خلافا لذلك - عاملٌ رئيسيٌّ في سلامة الاختيار، إذ تدفع الفطرةُ الإنسانَ إلى اختيار الدين الحق المنزّل من عند خالق الفطرة، فحينها يكون الاطمئنان الناتج عن توافق المنهج مع الفطرة؛ إذ كلاهما من مصدر واحد، فيكون التلاقي الفطريّ بين حقائق ثلاث:"الكون العابد لله"و"الفطرة السليمة"و"المنهج الرباني"، التلاقي الذي يؤكّد سلامة الاختيار بعد أن تناسقت تلك الحقائق الثلاث. وحقيقة كون الإيمان (بمعنى الهداية) من عند الله ولا يحصل بمجرد العلم والتصديق، وأنّ العلم والتصديق قد يحصل ولا يحصل الإيمان المطلوب من البشر، هذه الحقيقة لا تنفي قيام هذا الإيمان على أساس علميّ يقينيّ، لا مجال للتشكيك به.

فقد ثبت إذن أنّ دين الله عزّ وجلّ ليس موروثا يتلقّاه الأبناء دون تمحيص العقل وأدوات العلم الموضوعية، ولئن كانت بعض خلائف المسلمين اليوم ترثُ دين الله كما كانت يهودُ ترثُ الكتاب دون علم ولا يقين ولا قناعة واختيار، فهذا الوضع ليس حجّة على الإسلام، إنما الإسلام بنصوصه الحاسمة المحكمة حجّة على هؤلاء!

ومن هذا المنطلق نقول إنّ دين الله عزّ وجل"موقف"، نعم، الإسلام موقف! موقف اختياريّ من قبل الإنسان المسلم، يتجلّى - أولا - في إفراد الله تعالى بالعبادة مع البراءة من الشرك، ثمّ ما ينبثق عن هذه الحقيقة الاختيارية من"أقوال"و"أفكار"و"أعمال"، فكان الإيمان كما عبّرت عنه الأجيال الأولى من المسلمين: قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل الجوارح.

إنّه موقف يبدأ من إيمان الإنسان بحقيقة وجود الله ووحدانيته، وبأنّه"الربّ"، أي: المربّي بالنعم. ثمّ ما تقتضيه هذه الحقيقة من إفراده - سبحانه - بالعبادة.

فالمسلم قد وحّد الربّ بذاته وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، أو التوحيد الخبري. ثمّ عبده بتوجيه شعائر التعبّد له وحده، وتحكيم شريعته وحدها في حياته كلها والتحاكم إليها والحكم بها، وولائه له وتولّيه المؤمنينَ وبراءته من الكافرين، وهو توحيد العبادة، أو توحيد الألوهية. ثمّ عمل بالتكاليف الشرعية، وتخلّق بأخلاق الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت