الصفحة 75 من 92

هذه بمجموعها هي الإسلام، وهي مواقف كلّها تنبثق عن الموقف الأكبر وهو"الإسلام"، بمعنى: الاستسلام التام لله. فهو استسلام وخضوع اختياري لله عز وجل، بعد أن أدرك الإنسانُ أنّ الله حقّ، وأنّ عبادته - تعالى - هي غاية وجوده الإنساني: {وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) ، وأنّ طريقة تحقيق هذه الغاية تكون باتباع ما أنزل الله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون} (الأعراف: 3) . وليس هناك موقف أضخم وأعظم من الإسلام، فبه تتعلق أضخم حقيقة واقعية بالنسبة لكل إنسان، وهي مكانته في الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية الجديرة بالاهتمام، وما الدنيا إلا طريق لها محفوف بالابتلاءات: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 64) . فالآخرة إذن أثقل واقع في حسّ المسلم، ومن الجدير بالاهتمام أنّ هذا الكمّ الهائل من الآيات التي تتحدّث عن اليوم الآخر في كتاب الله لم يرد - حاشا لله - عبثا، وإنما لكي يكون المسلم في تذكّر دائم لهذه الحقيقة العظيمة، وإنّه ليراها في كتاب الله أحيانا - حين يحيا به أثناء تلاوته - أقربَ إليه من دنياه التي يعيشها، بل يكاد يشعر حين يعيش تلك الآيات أنّ الدنيا شيء مضى، وأنّ الدار الآخرة هي الواقع الآنيّ المعاش!

ألا يكون مجرما - شديد الإجرام - هذا الإنسان الذي يتنكّب عن طاعة الله؟ أو ذلك الذي لا يُعمل عقلَه ويفّكر في غاية وجوده في هذه الحياة وبما قبلها وما بعدها؟ أليس هذا التعطيل للتفكير في أهمّ قضايا الوجود الإنساني"موقفًا"يجب أن يؤخذ بالحسبان حين نقوّم البشر؟ نعم، تعطيل التفكير في أهمّ قضايا الإنسان موقف، ورفض عبادة الله موقف، ومن خلال تلك المواقف الكبرى يقوّم المسلم"الأشخاص (المقصود:"كيانهم الاختياري"الذي هو:"الأفكار"و"الأعمال") ، بمدى ارتباط هذا الكيان بالحقيقة الكبرى (الإسلام) وانبثاقه عنها، ومدى موافقته لمقتضياتها، وهذا هو محكّ القضية."

قضية"الإسلام موقف"ستجعلنا نحمل معيارا دقيقا لقياس الكثير من المسائل التي تعرض لنا في حياتنا، منها ما يتعلق بالانتماء والهوية، ومنها ما يتعلق بموقفنا من الأشخاص وتقييمنا لهم.

فحين يقول المسلم الجاهل بدينه:"إنّ النصارى المسالمين لنا هم إخواننا في الوطن، وإننا وإياهم سواء، ولا فرق بيننا، فهم أهل كتاب، ونحن مسلمون"! هل يكون هذا المسلم قد فهم أنّ"الإسلام موقف"؟ وأنّ النصراني هذا مرتكب لجريمة كبرى حين أشرك بالله وعطّل التفكير للوصول إلى الحق في أهمّ قضية في الوجود (عبادة الله) أو تنكّر للحق وجحده ورفض اتباعه. أيكون المسلم قد أدرك ذلك؟! أم إنّه لا يدرك أنّ معاملة النصراني هذا بالحسنى ومشاركته في بعض القضايا لا تعني المساواة بينه وبين المسلم العابد لله، ولا تعني وحدة الهوية والانتماء معه! فبيان حقيقة النظرة إليه من قبل المسلمين شيء ضروريّ حتّى يُدركَ عظم الجريمة التي يرتكبها في رفض طاعة الله والإسلام له! وإلا كنّا - برضانا عنه ومساواته مع المسلم - صادّين عن سبيل الله، فما الذي سيدفعه - من قبل المسلم - إلى البحث عن الحق والإقبال عليه ما دام المسلمون يعتبرونه مثلهم تماما؟! وحتى لا يُفهم الكلام أنه دعوة إلى العنف مع النصارى أو إلى شتمهم وتعنيفهم أورد كلاما لي كنتُ قد كتبتُه في مقال سابق دفعا لشبهة"الطائفية"التي يهوى العلمانيون قذف الآخر بها:

"وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام) ، فالمسلم يتعامل معهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت