بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107) . ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) . هذا بالنسبة للتعامل، أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة، فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأيّة جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} (الأنعام: 124) . إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة، أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإنّ الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله، وهي المسماة في الشرع:"الكفر". والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة"الكفر"، هذه النظرة المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جَرْسِها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر على حقيقتها دون إنشاء الخوف من العنف أو المعاملة بالسوء والاضطراب والتوجّس في النفس جرّاء ذلك. فاعتباري غير المسلم"كافرًا"لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف"شعوري"أتّخِذه (ومن حقّي) - كمسلم عابد لله عزّ وجل - تجاه من استكبر عن عبادة الله ورفض اتباع رسوله صلّى الله عليه وسلّم، باعتبار أنّ هذا هو غاية وجوده الإنسانيّ. وأمّا التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية، وبالبرّ والقسط، وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر. والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعوهم إلى عبادة الله وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة، يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنسانيّ الكريم - وهو قادر"مخيّر"في أن يكون كريمًا مرتفعًا - إلى عبادة الله وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين، بحيوية وإشراق، وبشعور الرحمة والعطف، ولسان حاله يقول:"إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه"! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية - بشعور الرحمة والعطف - أن تمتلكها هي أيضًا!" [1] ."
العلمانيون اللّبراليّون اليومَ يريدون تحريفَ هذه القضيّة، بدعوى"عدم الأدلجة"حينا (من كلمة"أيديولوجية") ، وبدعوى"نسبية الحقائق"حينا آخر. فأما رغبتهم في تحييد"الأيديولوجية"فهي تكمن في أن النقاش الموضوعي محسوم فيها لصالح الإسلام، لأنه المبدأ الوحيد المنزّه عن الخطأ، والذي ترشد إليه كل الحقائق الفطرية والكونية صارخة بأحقّيّته! وأما قولهم بنسبية الحقائق فهو راجع لرغبتهم في إخفاء الأرضية الثابتة من"المشترك الإنساني"، لتكون الأمور كلها"مائعة"بعد ذلك، لا يمكن الجزم بصحّتها كما لا يمكن الجزم ببطلانها! فتضيع الطاسة بضياع"المشترك الإنساني"الذي
(1) من مقال بعنوان"حول الهوية الإسلامية"بتصرّف.