الصفحة 104 من 186

يقتضي الرجوع إلى الأصل وهو الفورية لأن عدم الفورية عندهم هو من باب الاستحسان المخالف للقياس، والحنفية إلى جانب ذلك لا يعترفون بخيار المجلس على حقيقته المستفادة من النص فهم يفسرون حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا على أنه إذا أوجب العاقد البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده ما دام لم يصدر من صاحب الإيجاب ما يدل على تغير إرادته [1] أي أن صاحب الإيجاب يستطيع الرجوع ما دام المجلس لم ينفض ولم يصدر قبول من الطرف الآخر وهذا التفسير مخالف تمامًا لظاهر الحديث الذي جعل الخيار للقابل أيضًا ولم يجعله قاصرًا على الموجب ولا يتصور خيار القابل إلا بعد أن يصدر منه القبول فعلًا وهذا ممنوع عند الحنفية كما هو واضح من كلامهم.

وأما المالكية فهم يتفقون أيضًا مع الحنفية (والحنابلة) في عدم اشتراط الفورية وهم لا يعترفون بخيار المجلس أيضًا مثل الحنفية ولكنهم يقولون - على عكس الحنفية - بالإيجاب الملزم فمالك يرى أن الموجب لا يستطيع الرجوع عن إيجابه طالما لم ينفض المجلس أو يصدر قبول من الطرف الآخر [2] ، ويلاحظ أن الأمام مالك نفسه روى حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» ولكنه رد العمل به بناء على أصوله من أن خبر الواحد لا يحتج به إذا لم يعضد بعمل أهل المدينة واعتبر المالكية أن الحديث يتعارض مع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ، والعقد هو الإيجاب والقبول والأمر على الوجوب وخيار المجلس يوجب ترك الوفاء بالعقد [3] .

وأما جمهور الحنابلة فهم يتفقون مع المالكية والحنفية في عدم اشتراط الفورية ولكنهم يختلفون معهم في أنهم يأخذون في الوقت نفسه بخيار المجلس على معناه الصحيح المتفق مع ظاهر الحديث الصحيح وهو «البيعان بالخيار مالم يتفرقا» [4] فالحنابلة هم أوسع المذاهب في هذه المسألة لأنهم يسمحون بالتروي قبل إتمام العقد ولا يشترطون صدور القبول فور صدور الإيجاب وفي الوقت نفسه يسمحون بالتروي بعد انعقاد العقد فعلًا فيسمحون لكل

(1) الهداية 3/ 17 وسنعود إن شاء الله تعالى إلى هذا الموضوع بتفصيل أوفى حين الكلام عن الخيارات.

(2) مواهب الجليل للحطاب 4/ 240، وبداية المجتهد 2/ 188.

(3) بداية المجتهد 2/ 189.

(4) المغني لابن قدامة 3/ 563.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت