الصفحة 108 من 186

ذهب أبو حنيفة ومالك وطائفة من أهل المدينة [1] إلى أن المجلس قد ينفض بالقول وإن لم يتفرقا بالأبدان، وجاء في حاشية ابن عابدين: [والحاصل أن الإيجاب يبطل (أي ينفض المجلس) بما يدل على الإعراض ... واختلاف المجلس باعتراض ما يدل على الإعراض من الاشتغال بعمل آخر كأكل إلا إذا كان لقمة، وشرب إلا إذا كان الإناء في يده ونوم إلا أن يكونا جالسين وصلاة إلا إتمام الفريضة أو شفع نفلًا وكلام ولو لحاجة (أي كلام خارج عن موضوع العقد) ومشي مطلقًا في ظاهر الرواية حتى لو تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة واحدة لم يصح] [2] .

فالحنفية يذهبون إلى أن مجلس العقد يمكن أن ينفض قبل التفرق بالأبدان وذلك إذا انشغلا بموضوع آخر أو بشيء آخر ألا أن يكون أمرًا يسيرًا أو إتمام فريضة وقد بالغ الحنفية في هذه المسألة حتى أنهم منعوا انعقاد العقد وهما يمشيان سويا لأن المشي في رأيهم ينتهي به العقد رغم عدم التفرق بالأبدان ورغم أنهما قد يكونا منشغلين بالكلام عن العقد في أثناء مشيهما وهذا القول من الحنفية لا وجه له في الحقيقة ولا يتفق مع ما ورد في السنة الصحيحة من شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - جمل جابر وهما يسيران في القافلة في أثناء السفر فقد روى جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكنت على جمل ثقال (أي بطي السير) إنما هو في آخر القوم فمر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من هذا؟» قلت: جابر بن عبد الله. قال: «مالك؟» قلت إني على جمل ثقال قال: «أمعك قضيب؟» قلت: نعم «قال: أعطينه» فأعطيته فضربه وزجره فكان من ذلك المكان في أول القوم قال: «بعينه» فقلت بل هو لك يا رسول الله قال: «بل بعينه» فقلت: بل هو لك يا رسول الله قال: «بل بعينه قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة» . [3]

فالبيع تم - كما هو ظاهر من الحديث - بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين جابر وهما يسيران على البعير وهذا واضح من لفظ الحديث (فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم ... )

61-بيان الرأي الصحيح في تحديد مجلس العقد بين حاضرين:

(1) بداية المجتهد لابن رشد 2/ 188.

(2) نقلًا عن الحاشية ابن عابدين 4/ 527.

(3) رواه البخاري في باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت