الرأي الصحيح - في نظري - هو ما استقر عليه رأي الصحابة وأخذ به الشافعي وأحمد وأبو ثور من أن المجلس العقد لا ينفض إلا بالتفرق بالأبدان لأن أدلة هذا الرأي أقوى من أدلة الرأي الآخر فهذا الرأي هو رأي عبد الله بن عمر راوى الحديث وهو رأي أبي برزة الأسلمي من الصحابة أيضًا «مع الملاحظة أنه يبالغ في التفرقة بالأبدان» وقد نقل ابن رشد أنه لا مخالف لهما من الصحابة [1] وفضلًا عما تقدم فإن هذا الرأي يتفق مع القصد من تشريع خيار المجلس ويمنع الغرر والنزاع الذي قد يثور حول انفضاض المجلس من عدمه، وبيان ذلك أن الهدف من تشريع خيار المجلس هو إتاحة الفرصة للتروي في عقود المعوضات المالية التي يؤدي إلى ارتفاع خسارة كبيرة بالمتعاقد، والتروي يقتضي أن يخلو العاقد إلى نفسه أثناء وجوده بالمجلس ليفكر في الصفقة فإذا سكت وتفكر قال له أصحاب الرأي الآخر لقد انشغلت عن العقد فأصبح باتًا وأما على الرأي الصحيح فهو ما دام جالسًا في المجلس سواء أنشغل بالعقد أم بغيره فالمجلس قائم والخيار باق له، وأما من حيث منع الغرر والنزاع فإن التفرق بالأبدان أمر محسوس لا مجال للاختلاف حوله وأما الانشغال - مع عدم التفرق - بأمر آخر فهو يفتح الباب للنزاع فقد يتكلم أحد العاقدين بشأن العقد فينشغل الآخر بأمر ما ويدعى انفضاض المجلس ويدعي الآخر عدم الانفضاض. ولهذا كله فإن الرأي الذي يجعل نهاية المجلس هي التفرق المادي بالأبدان هو الرأي الصحيح - في نظري - وهو فعل عبد الله بن عمر أحد رواة الحديث وأفقههم.
62 -تحديد مجلس العقد في العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس:
هذه العقود قسمان أحدهما: العقود بين غائبين، وثانيهما: عقود بين حاضرين ومع ذلك لا يشترط فيها اتحاد المجلس.
63 -فأما العقود بين غائبين:
فإن اتحاد المجلس مستحل بينهما ولذلك فإن المجلس ينفض حكمًا في الوقت والمكان اللذين يتم فيهما التعاقد ولا مجال للبحث في تفرق الأبدان لأن الأبدان متفرقة فعلًا ولا محل للقول بالتشاغل عن العقد لأنهما لا يتحدثان معًا أصلًا. وإذا أخذنا بالرأي الذي يقول بأن العقد بين غائبين يتم في مجلس إعلان القبول من القابل عندما يصله الإيجاب فإن
(1) بداية المجتهد 2/ 189.