الصفحة 123 من 186

71-تأرجح القوانين الوضعية بين الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة:

الأصل أن إرادة المتعاقد الظاهرة وهي التعبير الصادر منه لا تختلف عن إرادته الباطنة وهي النية التي في صدره ولا يعلمها إلا الله تعالى. وإذا لم يحصل اختلاف بين العبارة والنية أو بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة فلا إشكال في الأمر فسيان الأخذ بالإرادة الظاهرة أو الإرادة الباطنة ما دامت الاثنتان متطابقتان ولكن قد تختلف الإرادتان كما إذا وقع شخص على عقد مطبوع يتضمن شرطًا كان لا يقبله لو فطن له، وكمن يخطئ في التوصية على شراء أثاث منزلي بطريق التأشير على بيان مطبوع يقدمه له البائع فيؤشر خطأ على أثاث غرفة نوم وهو يريد أثاث غرفة الطعام وفي هذه الحالة تجد أن القوانين اللاتينية (أي التي ورثت القانون الروماني) تأخذ بمبدأ تغليب الإرادة الباطنة على الإرادة الظاهرة ولكن القانون الألماني الحديث (سنة 1904) يغلب الإرادة الظاهرة على الإرادة الباطنة وهو في هذا متأثر ولا ريب بشراح القانون الألماني الذين نادوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي بتغليب الإرادة الظاهرة على الإرادة الباطنة [1] هذا وتقوم نظرية الإرادة الباطنة على أساس أن التعبير عن الإرادة ليس إلا قرينة عليها قابلة لإثبات العكس فإذا قام دليل خارج عن العبارة على أن هذه العبارة تتعارض مع ما في النفس أي مع الإرادة الباطنة فالعبرة بالباطنة دون الظاهرة، وإذا تعذر الوصول إلى معرفة الإرادة الباطنة عن طريق الجزم فعلى القاضي أن يتوصل إلى معرفة الإرادة الباطنة عن طريق الافتراض فالإرادة الباطنة إما حقيقية وإما افتراضية أو حكمية وأما نظرية الإرادة الظاهرة فهي تقوم على أساس أن التعبير الخارجي عن الإرادة هو الأصل فيجب الوقوف عنده فالأصل في ظل هذه النظرية أن لا يجوز لشخص أن يدعى أنه أضمر خلاف ما أظهر فالعبارة الظاهرة دليل على الإرادة الباطنة لا يقبل إثبات العكس [2] هذا وقد وقف القانون المدني المصري موقفًا وسطًا بين القوانين اللاتينية والقوانين الجرمانية، فهو يأخذ بالإرادة الباطنة وبالإرادة الظاهرة معًا إذ هو يغلب الإرادة الظاهرة في بعض الأحيان ويغلب الإرادة الباطنة في

(1) يراجع في هذا الوسيط للسنهوري 1/ 179 وما بعدها.

(2) يراجع في هذا كله الوسيط للسنهوري 1/ 83 وما بعدها، 179 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت