الصفحة 127 من 186

تسليمه الشيء محل التعاقد فالنظرية التقليدية (الرومانية الأصل) لا شأن لها بالباعث على التعاقد [1] .

وأما السبب في النظرية الحديثة فهو الباعث الدافع إلى التعاقد فإذا الباعث على التعاقد غير مشروع فإنه يبطل العقد إذا كان معلومًا من الطرف الآخر [2] ويلاحظ أن هذا السبب في النظرية القانونية الحديثة هو ما ذكره المالكية والحنابلة بعينه في حالة ما إذا كان القصد من العقد غير مشروع واشترطوا أن يكون معلومًا للعاقد الآخر.

وفي رأيي أن هذا التحول الذي ظهر في القوانين الحديثة هو من مظاهر التأثر بالفقه الإسلامي الذي أحاط بدول أوروبا من المغرب ومن المشرق فمن جهة المغرب تأثر علماء القانون بالفقه المالكي الذي ساد في بلاد الأندلس قرونًا عديدة وظهر إلى جانبه الفقه الشافعي أيضًا ومن جهة المشرق نجد أن الفقه الحنفي ساد في الدولة العثمانية ونحن لا نشك في أن شرح القانون قد استفادوا كثيرًا من الفقه الإسلامي وعرفوه عن طريق بلاد الأندلس غربًا والدول العثمانية شرقًا وكانت النتيجة على سبيل المثال هذا التشابه العجيب بين ما ذكره الدسوقي في حاشيته وابن قدامة في المغني وبين ما يقوله شراح القانون الآن عن نظرية السبب الحديثة وهو بمعنى الباعث على التعاقد وهي مرتبطة ولا ريب بفكرتي الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة. وقد أخذت القوانين الجرمانية بمذهب الإمام الشافعي (والحنفية) في الإرادة الظاهرة وأخذت القوانين اللاتينية الحديثة بمذهب المالكية والحنابلة في التعرف على الإرادة الباطنة عن طريق معايير موضوعية في صورة قرائن منفصلة عن العبارة.

هذا ويلاحظ أن شراح القانون يعزون ظهور فكرة السبب الحديثة (بمعنى الباعث) إلى القضاء الفرنسي الذي تأثر بآراء رجال الكنيسة في السبب وفي ذلك يقول السنهوري: [هذا هو عمل الفقهاء من رجال الكنيسة إليه وحده يعود الفضل الأكبر في إيجاد النظرية الصحيحة للسبب وقد تبع رجال الكنيسة في نظريتهم هذه بعض الفقهاء المدنيين من أمثال لوازيل وديمولان فقالوا بالإرادة وحدها مصدرًا لتكوين العقد واصلين في هذا ما بين

(1) يراجع في هذا الوسيط للسنهوري 1/ 438 وما بعدها 0

(2) يراجع في هذا الوسيط للسنهوري 1/ 473.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت