الصفحة 128 من 186

الإرادة والسبب وجاعلين للسبب المعنى الذي فهمه فقهاء الكنيسة] [1] ومما يلاحظ على هذا الاتجاه أن القوانين الأوروبية الحديثة ظهرت بعد أن انتهى تمامًا سلطان الكنيسة وبعد أن نادى المفكرون في أوروبا بفصل الدين عن الدنيا، ومن جهة أخرى فإن القول بوجود فقهاء كنسيين محل نظر لأن النصرانية جاءت بمواعظ دينية، وقد حرف رجال الكنيسة ما أنزلة الله تعالى على المسيح عليه السلام فزعموا أن التجارة تتعارض مع الدين ومع تقوى الله عز وجل وزعمت الكنيسة أن الابتعاد عن الزواج هو الطريق الأمثل للوصول إلى الله تعالى وحاربت العلوم التجريبية أي التي تعتمد على المشاهدة والتجربة والبحث في الأرض والكون بصفة عامة واعتبرت هذا مروقًا من الدين [2] وبذلك فصل الدين عن الدنيا فمن غير المعقول أن يتأثر القضاء الفرنسي في القرن التاسع عشر بالكنيسة بعد فصلها تمامًا عن الدنيا ويلاحظ فوق ما تقدم أن شراح القانون نادوا بالمعايير الموضوعية التي نادى بها الفقه الإسلامي للتعرف على الإرادة الباطنة كما رأينا وهذه المعايير لا تعرفها الكنيسة.

ومن هذا يتضح أن القوانين الحديثة تأثرت تأثرًا واضحًا بما جاء به الفقه الإسلامي منذ ألف عام من أحكام تتعلق بتحديد عبارة العقد وكيفية التعرف على النية المختفية وراء العبارة وقد ظهر هذا جليًا في نظرية السبب بمعنى الباعث في القوانين الحديثة وفي الغلط الذي يقع فيه المتعاقد والتدليس والإكراه، وفي تفسير عبارتي العقد الواضحة [3] وغير الواضحة هذا وليس غريبًا أن يتأثر القانون الألماني بالمذهبين الحنفي والشافعي وأن تتأثر القوانين اللاتينية الحديثة بالمذهب المالكي، وذلك أن المذهب الحنفي هو السائد إلى الآن في

(1) الوسيط للسنهوري 1/ 428 0

(2) وقد فوجئ الناس بأن أولئك الكنسيون الذين نهوا عن الزواج يرتكبون أقبح الفواحش داخل الأديرة والكنائس وأنهم مع زعمهم بأن التجارة تتعارض مع التقوى - قاموا هم أنفسهم بالتجارة بالآخرة لصالح دنياهم فظهرت صكوك الغفران الشهيرة في أوروبا وقد قام البابا ليو العاشر في القرن السادس عشر الميلادي ببيع أراضي في الجنة لمن يدفع أكثر فثار مارتن لوثر الألماني ونادى بالمذهب البروتستنتي الذي ظهر كرد فعل لتناقضات الكنيسة وجاءت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر غير عابئة بالدين وتنادي بالحرية والإخاء والمساواة ونادى المفكرون في أوروبا بحصر الدين داخل الكنيسة وتنحيته تمامًا عن الحياة.

(3) راجع ما سبق بند 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت