الفكرتين وفي هذا يقول السنهوري: [والواقع أن المذهبين الرئيسيين هما مذهب إعلان القبول ومذهب العلم بالقبول وما عداهما فمتفرع عنهما ويرد إليهما] [1] وذلك لأن إعلان القبوليتفرع عنه تصديره والعلم بالقبول يتفرع عنه وصوله قبل العلم به ومما يجب أن يلاحظ هنا أنه حينما قال الفقه الإسلامي بإعلان القبول والعلم بالقبول منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا لم يكن القانون الروماني (وهو أرقى قانون وضعي في ذلك الوقت) يعرف شيئًا عن هذه الأمور بل إن فكرة العقد نفسها كانت مضطربة للغاية عند علماء القانون في ذلك الوقت وفي هذا يقول شفيق شحاتة في كتابه عن القانون الروماني: [على أن هذا كله لا يفيد أن العقد كان في العصر الذهبي للقانون الروماني عبارة عن توافق ما بين إرادتين ... ويبدو أن العقد في لغة فقهاء هذا العصر هو كل عمل قانوني يترتب عليه أثر ولذلك فإن تصوير العقد على أنه توافق ما بين إرادتين تصوير بعيد عن أذهان فقهاء الرومان فالعقد هو ذلك العمل الذي يأتيه الشخص فيلتزم بموجبه وقد يكون هذا العمل هو عبارة عن تلفظه ببعض الألفاظ المقررة كما قد يكون عبارة عن كتابة خطية صادرة منه أو عبارة عن تسلميه لأشياء متى كان هذا التسليم قد أخل بالتوازن المالي ما بين ذمته المالية وذمة الطرف الآخر وفي هذا التصوير لا ينظر إلى واقعة اتصال الإيجاب بالقبول وإلى واقعة التراضي ولكن ينظر إلى كل طرف من طرفي العقد على حده فينشأ الالتزام في ذمة كل منهما بسبب العمل الذي أدى إليه] [2] .
ومن هذا يتضح لنا أن القوانين في أوروبا لا بد أن تكون قد استفادت من الفقه الإسلامي في تحديد وقت تمام العقد لأن القانون الروماني وهو المصدر الأصلي للقوانين الأوروبية فقير ومعدم من هذه الناحية. وقد سبق أن بينت مدى اتصال أوروبا بالفقه المالكي ثم الشافعي غربًا عن طريق الأندلس وبالفقه الحنفي ثم الشافعي شرقًا عن طريق تركيا.
76-القانون المدني المصري يصرح بأخذ فكرة مجلس العقد عن الشريعة الإسلامية:
لم تعرف القوانين الأوروبية (ولا الروماني من باب أولى) تلك الفكرة الدقيقة المحكمة المتعلقة بمجلس العقد والتي صاغها الفقه الإسلامي أخذًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك لجأ
(1) الوسيط للسنهوري 1/ 243.
(2) نقلًا عن كتاب نظرية الالتزامات في القانون الروماني لشفيق شحاتة ص 75.