الصفحة 138 من 186

الوقف أو عزل وكان قد أجر أعيان الوقف فلا يبطل الإجارة وهذا لا يتأتى إلا على أن المؤجر ليس هو الناظر وإنما هو الوقف الذي يمثله الناظر [1] وقد علل الحنفية هذا بقولهم: [لا تبطل الإجارة لأن الإجارة وقعت للموقوف فلا تبطل بموت العاقد كما لا تبطل بموت الوكيل في الإجارة] [2] فالحنفية يصرحون بأن المؤجر هنا هو الموقوف أي الوقف وأن الناظر مجرد وكيل ومقتضى هذا أن الوقف له شخصية حكمية أو اعتبارية مستقلة عن شخصية الناظر وكذلك عن شخصية الموقوف عليهم لأن موت هؤلاء لا يؤثر على إجارة الوقف بلا خلاف. هذا ويلاحظ أن الشافعية في اعترافهم بالشخصية الحكمية أو الاعتبارية أظهر من الحنفية الذين يصرحون بأن الوقف لا ذمة له [3] ومع ذلك فهم يثبتون له إحكامًا (كما أسلفنا) لا تصح إلا مع ثبوت الذمة للوقف وأما الشافعية فهم يصرحون بالذمة للمسجد فيقولون: [إن الوصية للمسجد صحيحة وأن أريد بها تمليكه] [4] وعللوا ذلك [بأن المسجد في منزلة حر يملك] [5] وقالوا أيضًا: [إن المملوك للمسجد بشراء يصح بيعه مطلقًا] [6] وهذا ليس له من معنى إلا أن المسجد له ذمة مالية مستقلة فهو يملك بعقد الشراء الذي يباشره عنه ناظره ومن ذلك أيضًا ما ذكره الشيخ زكريا الأنصاري: [ولو كان للمسجد شقص من أرض مشتركة مملوكة له بشراء أو هبة ليصرف في عمارته ثم باع شريكه نصيبه في تلك الأرض فللقيم على المسجد أن يشفع ويأخذ حصة الشريك بالشفعة إن رأى ذلك مصلحة كما لو لبيت المال شريك في أرض فباع شريكه نصيبه فيها فللإمام الأخذ بالشفعة إن رآه مصلحة] [7] فهذه الأقوال للشافعية تصرح بأن كلًا من المسجد وبيت المال يملك أي لكل منهما ذمة خاصة به وعلى ذلك يمكن إثبات الذمة (والشخصية الحكمية) لجميع المؤسسات التي يرى ولى الأمر إضفاء

(1) حاشية ابن عابدين 5/ 47 وما بعدها.

(2) الفتاوى الخانية للأوزجندي 3/ 334 مطبوع بهامش الفتاوى الهندية.

(3) حاشية ابن عابدين 5/ 470.

(4) نهاية لمحتاج للرملي 3/ 116.

(5) نهاية المحتاج للرملي 3/ 116.

(6) نهاية المحتاج للرملي 5/ 370.

(7) أسنى المطالب على شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت