كامل الأهلية بالنسبة إلى تكليفه بالعبادات جميعها، وهو مؤاخذ على كل ما يرتكبه من جنايات كما أن وقفه ووصيته وزواجه وطلاقه صحيح، ولكن نظرًا لعدم إحسانه في تدبير المال وتبذيره على خلاف مقتضى الشرع والعقل أجاز جمهور الفقهاء - ماعدا أبا حنفية وزفر والنخعي - الحجر عليه لمنعه من التصرف في ماله وأما أبو حنفية - ومن نحا نحوه - فهو يرى أنه لا يجوز الحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال ببلوغ الخامسة والعشرين ولو كان أفسق الفساق.
وللسفه حالان:
-الأولى: أن يبلغ الشخص سفيهًا.
-والثاني: أن يبلغ الشخص رشيدًا ويتولى أمر نفسه ثم يصيبه السفه بعد ذلك. وقد اتفق العلماء على أن السفيه لا يعطى له ماله بل يمنع منه ومن التصرف فيه عملًا بقول تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] ، وقد اتفق أبو حنفية مع سائر الأئمة في عدم دفع المال إلى السفيه في الحالة الأولى، ولكن روى عنه روايتان بالنسبة إلى تصرفات السفيه وعقوده ففي رواية أن هذه التصرفات لا تصح أيضًا، وفي رواية أخرى أنها تصح وإنما يمنع فقط من تسلم أمواله، ولكن إذا بلغ الخامسة والعشرين لا ينفع فيه زجر ولا تأديب وقد روى عن أبي حنفية أنه قال بشأن السفيه: [إذا بلغ الخامسة والعشرين احتمل أن يكون جدًا فأنا أستحي أن أحجر عليه] [1] فالأصل عند الإمام أبي حنفية أن السفه ليس سببًا في نقص الأهلية سواء أبلغ سفيهًا أم بلغ رشيدًا ثم أصابه السفه بعد ذلك.
وقد استدل لمذهب أبي حنفية بشأن السفيه بما يأتي:
-أولًا: عموم الآيات الواردة بشأن العقود والعهود مثل قوله تعالى: « {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] ، فالخطاب عام لكل المسلمين، ولا ريب أن المبذرين والسفهاء داخلون في عموم المؤمنين من غير خلاف بين علماء المسلمين فهم مطالبون بالوفاء بعقودهم وعدم النكث في عهودهم فهذه نصوص صريحة قاطعة في دلالتها ولا يجوز تخصيصها إلا بنصوص في قوتها ومن ثم فإن عقود المبذر لماله يجب الوفاء بها فلا يصح الحجر عليه وأهليته كاملة.
(1) كشف الأسرار 4/ 1490، شرح المنار ص 989، بدائع الصنائع 7/ 171.