-ثانيًا: يستدل لمذهب أبي حنفية أيضًابما رواه قتادة عن أنس بن مالك [أن رجلًا (حبان بن منقذ) كان يبتاع وفي عقدته ضعف فأتى به أهله نبي الله ? فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه النبي ? فنهاه عن البيع فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بعت فقل ها، وها ولا خلابة ولك الخيار ثلاثًا» [1] فاستدلوا هنا بامتناع النبي ? عن الحجر عليه رغم ضعفه وأنه كان يغبن في البياعات (وهذا من السفه أو الغفلة) فيستدل بذلك على عدم جواز الحجر على السفيه.
-ثالثًا: أن السفيه باتفاق الفقهاء غير محجور من عقد الزواج بمهر المثل وغير محجور من الطلاق وهذا دليل على كمال الأهلية ومن وجهة أخرى فإن إقرار السفيه بما يوجب حدًا أو قصاصًا جائز ويحد ويقتص منه بمقتضى هذا الإقرار بإجماع الفقهاء [2] فكيف يسوغ أن ينفذ عقده في الزواج وإقراره في الحد والقصاص ولا ينفذ عقده فيما يتعلق بماله.
رابعًا: أن الله تعالى كرم الإنسان قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء: 70] ، والحجر على السفيه فيه إهدار لهذه الكرامة في نظر أبي حنيفة رحمه الله. وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة معهم أبو يوسف ومحمد (صاحبا أبي حنيفة) إلى أن السفيه في الحالين يحجر عليه [3] ويأخذ السفيه عند الجمهور في تصرفاته حكم الصبي المميز إلا في العقود التي لا يؤثر فيها الهزل وهي الزواج والطلاق والرجعة ولكن لا يجوز أن يزيد في نكاحه عن مهر المثل وعند الشافعي لا يصح نكاح السفيه بغير إذن وليه وأجاز الفقهاء وقف السفيه عن نفسه ومن بعدها على ذريته وكذا وصيته في حدود الثلث لأن هذه التصرفات فيها حفظ لماله وهي تنفعه في آخرته.
(1) أخرجه أحمد وأصحاب السنن وقد رد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، البخاري في كتاب البيوع باب 48، ومسلم كتاب البيوع.
(2) تكلمة فتح القدير 7/ 314 وبلغة السالك للصاوي 2/ 130 ونهاية المحتاج 4/ 370، والمغني لابن قدامة 4/ 521.
(3) شرح الزرقاني 5/ 294 وما بعدها، بداية المجتهد 2/ 279 وما بعدها، مغني المحتاج 1/ 168 وما بعدها، نهاية المحتاج 4/ 356، المعني لا بن قدامة 4/ 505 وما بعدها.