الصفحة 148 من 186

والحنابلة وصاحبي أبي حنفية [1] وهذا هو الحكم أيضًا حتى لو زاد تصرفه في ماله على أكثر من الثلث لأن مقابل المال المتصرف فيه قد وجد بدون محاباة ولذلك فإنه يشترط أن يكون التصرف حقيقًا وليس صوريًا ويختلف أبو حنفية مع سائر الأئمة في هذه المسالة لأنه لا يجيز عقود المعاوضات حتى لو كانت بغير محاباة لأنه يذهب إلى أن حق الورثة يتعلق بأعيان التركة ولذا فإنه لا يجوز للمريض مرض الموت أن يتصرف ولو بغير محاباة وأما صاحباه (أبو يوسف ومحمد) فإنهما يذهبان إلى أن حق الورثة يتعلق بقيمة التركة وماليتها فقط فما دام العقد معاوضة وليس فيه محاباة فإنه يكون صحيحًا نافذًا [2] وهذا هو رأى الجمهور وإذا كان التصرف بعوض صوريًا فهو يلحق بالتبرعات المنجزة كما يلحق بها أيضًا التصرف بعوض إذا كان فيه محاباة والتبرعات المنجزة هي الهبة المقبوضة والصدقة والوقف والإبراء من الدين والعتق والعفو عن الجناية الموجبة للمال، وهي تأخذ حكم الوصية ما دامت قد صدرت في مرض الموت.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الوصية فيما زاد على ثلث التركة إذا كانت لأجنبي والوصية إذا كانت لوارث: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الوصية في كلتا الحالتين تكون صحيحة غير نافذة أي موقوفة على إجازة الورثة في الحالة الأولى وعلى إجازة بقية الورثة في الحالة الثانية [3] . وذهب بعض الحنابلة وفي قول آخر للشافعي أن الوصية في مرض الموت تكون باطلة فإن أراد الورثة تصحيح هذه العقود فإن عليهم أن ينشئوها من جديد فإذا كان العقد هبة فهو يفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ والقبول والقبض كالهبة المبتدأة [4] .

وحجة الجمهور أن تحديد الوصية لأجنبي بالثلث ومنع الوصية للوارث إنما روعي فيه حق الورثة والأصل في ذلك بالنسبة إلى الوصية إلى الأجنبي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد حين قال:

(1) شرح الزرقاني على خليل 5/ 304، وما بعدها، شرح المنهاج للجلال 3/ 156 وما بعدها، المغني لابن قدامة 6/ 138 وما بعدها، حاشية ابن عابدين 4/ 462 وما بعدها.

(2) كشف الأسرار 4/ 1431.

(3) حاشية ابن عابدين 4/ 462 وما بعدها، جواهر الإكليل للآبي شرح مختصر خليل 2/ 318 وما بعدها، شرح المنهاج للجلال المحلي 3/ 161، المغني لابن قدامة 6/ 6 وما بعدها.

(4) انظر المغني لابن قدامة 6/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت